قرأت مؤخرا مقالاً كتب في أواخر القرن (السادس عشر) بعنوان العبودية الطوعية ، عبر فيه الكاتب عن أوضاع كانت سائدة و استنكر كيف أن الإنسان يرهن نفسه لسلطة ما بالتنازل طواعية عن حريته في اتخاذ القرار والتعبير عنه ، وأكد على عديد الفضائل التي من بينها فضيلة الإرادة التي تدفع بالإنسان إلى التمسك بحريته ، وعدم ارتهانه بالظروف وإلى البحث عن الحقيقة لا عن الآراء المختلفة التي هي محل للشك لأن الرأي يفتقر إلى الفكر وهو يدل على معرفة ينبغي وضعها موضع شك ونقد ،
في حين أن الحقيقة هي معرفة يقينية ترتكز على العقل وتنتج من بحث فكري وعن فحص علمي ، لذلك لايمكن للرأي التلقائي والبديهي ان يكون اساسا لمعرفة ، وهو ما نفتقر اليه فى مناهجنا التعليمية التي تدرس أبناءنا الخضوع و الاستسلام فى غياب التربية الوطنية ، ويزاد الطين بلة باستخدامنا الأسلوب التلقيني الذي يسلب قدرة العقول على التفكير و التحليل والبحث عن علل الأشياء وصولا إلى أحكام حقيقية لا تتوقف على رأى بعينه قال به الفقيه الفلاني أو نادى به صاحب الاتجاه العلاني دون أن يكون على قناعة بموافقته الحقيقة الناصعة وأن ذلك لن يحرمه إرادته في الاختيار بحسب إدراكه و ما يتوصل إليه من نتائج منطقية . لقد أسرني المقال سالف الذكر لما عبر عنه من ألم بسبب التنازل طوعا دون إكراهات عن حريتنا لمجرد أمتناننا لشخص أو منهج أو سياسة ما أو اتجاه إسلامي أو علماني دون إدراك منا إن البعض لا يسعي إلا إلى تحقيق مصالحه مستغلا الضعف البشري لذلك فقد نتفق مع ما قاله أوليس : “لا أرى خيرا في أن يكون للمرء أسياد عديدون ، فليكن سيدا واحدا و ليكن ملكاً واحدا ” ، و من المؤكد أن عدم القبول بالحالة التي يكون فيها المجموع طائعا خائفا فلايعترض على سلب ممتلكاته وهدرها بقرارات غير مسؤولة عبر عنها طفل صغير عندما سألني : هما دمروا حي الأندلس – حيث منزل صديقه – ؛ اتفاقا مع الرأي السائد أن الهدم المطور سيطال العديد من المناطق وصاحب الحق مغيب فلا أهمية لرأيه ولا اعتبار له بعد أن تنازل طائعا عن سلطته و استسلم إلى قرارات لجان يفترض أن لها الصبغة القضائية ولكنها تحرم صاحب الحق من الحصول على نسخة عن قرارها مع علمها أن حقه في الطعن الإداري حق أصيل يتوقف على استلامه القرار للطعن فيه ، إلا أن العسف الذي بلغ مداه سمح للصغير قبل الكبير بالتغول وإهدار كل معنى للحرية فلجان التعويضات تقدر وفق معايير غير محددة- ولنقل أهوائها – فإذا اعترضت ورفعت صوتك تزاد القيمة أو تنزل بحسب مكانتك لا حقك وإلا ستنال المبالغ الزهيدة ، وهو ما يناله من تضعف إرادته ويفقد فضيلة تمسكه ومطالبته بحقوقه متناسيا أن الحق لا خير فيه ما لم يكن له مطالب ، وأن المستبد الإداري مقضي عليه لا محالة إذا رفض المعنيين القبول بالاستبداد و العسف الصادر عن السلطة الإدارية ، بعد أن بات القائمون عليها متمرسون في انتهاك حقوق المواطن و هم يتذرعون بمصلحته و المصلحة العامة باعتبارها جوهر أعمالهم و نشاطهم ، ونقول لهم أن لا اختلاف بينا بشأن مصلحة الوطن و نقصد بذلك ليبيا أولا فوق كل مصلحة ، لان الواجب بحسب كنط :” هو القيام بعمل ما احتراما للقانون الاخلاقي ” ، لذلك تم تخليد حكايات البسالة للمدافعين عن الحرية ممن لا دافع لديهم إلا مناهضة الانتهاك والظلم دون ما عداه ، لا أولئك الذين يريدون به الباطل ، ممن يهدورن نعمة الحرية و متعتها الكبري ، والتي لا يعلمها إلا من يحياها متمسكا بإرادته الباحثة عن كرامته الإنسانية بعيدا عن ذل الطلب و الخضوع و الاستسلام للضعف البشري بمختلف صوره و أشكاله بما في ذلك التذلل للآخرين واستعطافهم أو السماح لهم بالسيطرة على عقولنا لدفعنا الى القتل باسم الجهاد وهم يجاهدون بالفنادق وما يكنزونه من ذهب لهم ولابنائهم تحصلوا عليه بمتاجرتهم بقيمة الحرية وغيرها من القيم الأخلاقية ، فهل نبرر لهم بيع كرامتنا واجبارنا على التملق والزيف وعلى بيع نسائنا لاعراضهم بأثمان بخسة ، وهل نبرر للعجزة ماديا – جسديا- او معنويا التخاذل والرضوخ والرضا بالصورة التي استسلمنا بها لحكم العادات و التقاليد الفاسد منها لا المفيد الإيجابي أو التذرع بالدين الإسلامي الذي هو برئ من هذه التهم لأن البارئ عز وجل خلقنا أحرارا وتفضل علينا بنعمة العقل و الفكر تأكيدا لإنسانيتنا لا بهيميتنا الباحثة وراء اللذة الوقتية ؛ الساعية وراء قضاء حاجاتها المادية دون كرامة ، المنتقدة للشرفاء والصادقين لأن وجودهم يفضح نقائصهم ، ومع ذلك فأن الأحجار الثمينة تظل محتفظة بقيمتها ولو التصق بها الوحل ، أما الأشياء التافهة فلا قيمة لها و لو رصعت بالجواهر و الأحجار ، لذلك نؤكد على أهمية التربية الوطنية التي تصنع المواطن الحر القوي المؤمن بقيمته القادر على مواجهة الظروف والمتغيرات لإيمانه بأن الله هو القهار الجبار الذي يسير حركة الكون وفق إرادته و أن إرادتنا يجب ألا تخالف جبروته وقدره ، لا طغيان البشر و تسلطهم و نسيانهم أن العطاء قيمة و أن الصدق قيمة ، و أن الوطن يحتاج إلى أبنائه الصادقين المعطاءين الأوفياء لا المتلونين الساعين وراء الفرص المتاحة لتوظيفها لمصالحهم و مصالح عائلتهم ؛ كالذين قالوا لرسول الله – صلى الله وعليه وسلم – انك لرسوله والله يعلم بما فى قلوبهم ، لذلك فلا نهضة مالم يمارس الانسان حريته دون اكراهات قانونية او اجتماعية الا بما يكفل قدرته على الاضطلاع بدوره ككائن له قيمته الاخلاقية يحترم القيم العليا ، ويقدر ان حريته لن تتحقق إلا بمسؤوليته عن نتائجها ، وأننا خلقنا أحراراً لا عبيدا ، وشعوبا و قبائل لنتعارف ونتآزر لا لنتقاتل لأن ذلك مؤشر على سيطرة غرائزنا الدونية والأصح الحيوانية ، أو لابتعادنا عن القيم الأخلاقية ومن بينها الحرية التي عبر عنها أحد الاسبرطيون فى رده على الفارس الذي كان يدعوهم لنيل رضا ولي نعمته ليرضي عنهم و يدخلهم في خدمته ؛ انه : يجهل كل الجهل السعادة التي ينعمون بها ، و لا يدري طعم الحرية العذب لأنه لم يتذوقها ؛ و نقتبس من مقالة لابوليس قوله أن الاحرار : ” هم الذين يتمتعون بعقل منظم فيزيدونه رهافة بالتحصيل و المعرفة ، أولئك هم الذين إن فقدت الحرية تماما و استبعدت من هذا العالم ، تخيلوها فيشعروا بها في روحهم فتذوقوا طعمها ، أولئك الذين تعافُ نفوسهم العبودية مهما ارتدت أشكالا ” ……
10-11- 2009 قورينا القديمة






اكتبي يا استاذة فالذكرى تنفع المبصرون بقلوبهم اما من لايبصرون ضوء الشمس والحقيقة الناصعة فترحمى عليهم لانك من الطيبات
شكرا المقال يرقى لعقول تعرف معنى كلمة حرية فقد قيل : أنت حر مالم تضر…
تعودت مدارسنا التلقين ..وألقت الإبداع جانبا
تعودت مدارسنا الحفظ ونسيت ان تحفظ كي نطبق ما حفظناه من ثقافات ومعلومات تركناها في الجانب المنزوي..لحين إشعار ىخر ..وعند العودة إليها ..ضللنا طريق العودة
الحرية ياسادة تريد من يعرف قيمة هذه الكلمة ..يعلم أن الحرية هي قلمك هي كلمة الحق التي تقولها ..الحرية ليست صراخ
ليست كلمات نابية …ليست تهورا..ليست تزلفا..ليست إهدارا لمشاعر الآخرين..ليست استفزازا…وليست تملقا
الحرية حب…وتضحية وإيثار…..وقلم ينبض بحب ليبيا
جهاد الكلمة التي لم يجرؤ عليه الكثيرون … وتم إعادة نشر المقال وقد تحررنا ماديا على الأقل ، ولكن هل تحقق لنا التحرر المعنوي من الثقافة القديمة الممنهجة عقائديا