الإصحاح البيئي وحق الإنسان في بيئة أمنة ونقية
بواسطة admin بتاريخ 5 ديسمبر, 2010 في 02:06 مساءً | مصنفة في مقالات قديمة | لا تعليقات

الإصحاح البيئي وحق الإنسان في بيئة أمنة ونقية- د فائزة الباشا

الإنسان مكون رئيسي في إطار المحيط الحيوي وعامل مؤثر  في التحولات الطارئة لهذا المحيط, لأنه ولد من بطن الأرض وعاد ليستقر فيها ويتزايد ويتكاثر من خيراتها وزاد استغلاله له ؛ ومع انتقاله من طور الفرد إلى المجتمع والدولة أصبح هذا الاستغلال أكثر تنظيماً وشراسة . وازدادت الأمور تعقيدا مع تطور وسائل الإنسان في تطويع الأرض بقصد الاستفادة من خيراتها ومواردها  وإساءة استخدامه للتكنولوجيا والتقنية  خاصة في مجال تجارب التسلح والحروب والمنازعات ؛ مما خلق أزمة تنموية وزاد من معدلات التلوث التي يتقاسمها الفقراء والأغنياء مما تسبب في تهديد الوجود  ، كما تسبب التدهور البيئي في تزايد الدول الفقيرة فقرا لاستنزاف مواردها الطبيعية

أنت والقانون                                                                                                    د فائزة الباشا
الإصحاح البيئي وحق الإنسان في بيئة أمنة ونقية

الإنسان مكون رئيسي في إطار المحيط الحيوي وعامل مؤثر  في التحولات الطارئة لهذا المحيط, لأنه ولد من بطن الأرض وعاد ليستقر فيها ويتزايد ويتكاثر من خيراتها وزاد استغلاله له ؛ ومع انتقاله من طور الفرد إلى المجتمع والدولة أصبح هذا الاستغلال أكثر تنظيماً وشراسة . وازدادت الأمور تعقيدا مع تطور وسائل الإنسان في تطويع الأرض بقصد الاستفادة من خيراتها ومواردها  وإساءة استخدامه للتكنولوجيا والتقنية  خاصة في مجال تجارب التسلح والحروب والمنازعات ؛ مما خلق أزمة تنموية وزاد من معدلات التلوث التي يتقاسمها الفقراء والأغنياء مما تسبب في تهديد الوجود  ، كما تسبب التدهور البيئي في تزايد الدول الفقيرة فقرا لاستنزاف مواردها الطبيعية ،
والبيئة لغة : ترجع  إلى الفعل [ بوأ ] ومن الفعل الماضي [ باء ] ويعني رجع وتبوأ أي تهيأ, و إصلاح المكان أصلحه وهيأه وجعله ملائماً وفي هذا المعني تبوأ  يقصد به حله ونزل فيه أقام به . أي مكان الإقامة أو المنزل أو المحيط  ، وهو ما نجده في قوله عز من قال :" وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ".( ) وتدل الكلمة بأصل بنيانها على الهيئة التي يكون عليها الشيء وبحسب مدلولها اللفظي فتدل على المكان .( ) أما المفهوم  الاصطلاحي : فهو لا يختلف في دلالته عن الطبيعة والأرض ، واستخدم  بمعني [ المحيط أو الدائرة أو   الوسط ...] ، وبيئة الشيء هي كل ما يحيط به ويوفر له عناصر الوجود والاستمرار لذا يقال أن الطبيعة ؛ الأرض هي [  بيئة الإنسان ] ، وعرفت بأنها :" مجموعة النظم الطبيعية والبيولوجية التي تحيط بالإنسان والكائنات الحية التي تسكن كوكب الأرض ".( )
وفي اللغة الإنجليزيةEnvironment  ؛ تعني مجموعة من الظروف والمؤثرات الخارجية التي لها تأثير في حياة الكائنات  الحية جميعا . ويعرف علماء البيئة  ecology " الايكولوجي " بأنها الوسط أو المجال الكائن الذي يعيش فيه الإنسان بما يضمه من ظواهر طبيعية وبشرية يتأثر بها ويؤثر فيها  ويصدق ذلك على الحيوان والنبات وسائر الكائنات المكونة للأرض . وعرف بأنه :" شروط وجود الكائنات الحية والتداخل من أي نوع كان بين هذه الكائنات والوسط الذي تعيش فيه ".( )  ويتعين الذكر أن تحديد مفهوم البيئة عنصر جوهري لتكامل عناصر الجريمة البيئية ، وإلا فأنه لا مجال لمسألة شخص عن حرق القمامة في حال عدم تحديد المقصود  بالهواء  أو عن إلقاء مياه الصرف الصحي بما  يلحق ضررا بالبيئة البحرية … الخ ؛ ومن باب أولي في حال عدم شمولنا هذه المكونات بالحماية .
لذلك فقد حدد المفهوم القانوني  للبيئة بموجب أحكام المادة الأولى من القانون رقم 15 لسنة 2003م ؛ التي عرفتها بأنها :" المحيط الذي يعيش فيه الإنسان وجميع الكائنات الحية لتشمل الهواء والماء والتربة والغذاء ، سواء في أماكن السكن أو العمل أو مزاولة النشاط أو غيرها من الأماكن الأخرى "، وبقراءة النص يلاحظ بأن المشرع الليبي قد تبني تعريفا موسعا للبيئة يستوعب البيئة الصناعية والحضرية ، إضافة إلى الغذاء وهو إحدى مكونات البيئة الأرضية .( ) في حين قصد بالتلوث وهو النتيجة الجرمية التي تترتب على سلوك من يسئ للبيئة لغة  : التلطيخ أو الخلط .( ) بالقول : لوث ثيابه بالطين أي لطخها ولوث الماء كدره . وتلوث الماء والهواء ونحوه أي خالطته مواد غريبة ضارة .( ) وعرف التلوث اصطلاحا بأنه :" ذلك التغيير السلبي الذي يطرأ على أحد مكونات الوسط البيئي  والذي ينتج كلا أو جزءا عن نشاط الإنسان الحيوي أو الصناعي ".( ) ولايختلف ذلك عن المدلول القانوني لفعل التلويث ، الذي عرف بأنه :" حدوث أية ظرف ينشأ عنه تعرض صحة الإنسان أو سلامة البيئة للخطر نتيجة لتلوث الهواء أو مياه البحر أو المصادر المائية أو التربة أو اختلال توازن الكائنات الحية بما فيها الضوضاء والضجيج والاهتزازات والروائح الكريهة وأية ملوثات أخرى تكون ناتجة عن الأنشطة والأعمال التي يمارسها الشخص الطبيعي أو المعنوي ".( )
هذا وتتنوع مصادر التلوث بحسب موضوع الاعتداء  ؛ فعرفت ملوثات الهواء بأنها :" العوادم والإشعاعات المؤنية والغبار والمركبات العضوية والمتطايرة والجزئيات الدقيقة والمبيدات الحيوية والمرذاذات ".( ) كما قد يحدث التلوث بسبب الفضلات والقمامة بأنواعها أو بسبب مياه الصرف الصحي أو حرق القش والنباتات الميتة أو الحرائق أو بسبب الزيوت أو المزيج الزيتي الخام أو الديزل وغير ذلك من مشتقات النفط أو العوادم الزيتية بأنواعها ،
لذلك فأن الحق في بيئة أمنة ونظيفة لن يتأتِ إلا باتخاذ كافة الإجراءات للمحافظة على التوازن البيئي وحق الأجيال الحالية والمستقبلية في الثروات الطبيعية ، تحقيقا للتنمية المستدامة التي تتطلب مراعاة شروط الإصحاح البيئي الذي عرف بأنه :" التحكم في كل العوامل البيئية التي لها تأثير مباشر أو غير مباشر  على سلامة الإنسان البدنية والنفسية أو الاجتماعية ".( )
عليه فأن التأكيد على البرنامج الوطني للإصحاح البيئي الذي أعدته الهيئة العامة للبيئة هو السبيل الأمثل لتحقيق الحكمة من التشريع البيئي بصورة عامة ومن السياسة الجنائية المقررة لحماية حقنا بالخصوص  ؛ إذ أن استدامة الموارد البيئية وإدماج البعد البيئي في المناهج والعمل من أجل حماية وتحسين البيئة جمعيها من الأدوات التي تسهم في عملية الإصحاح البيئي وهي الحكمة الأساسية لقانون حماية وتحسين البيئة رقم 15 لسنة 2003م ولائحته التنفيذية التي صدرت هذا العام ؛ وهو مؤشر على تقاعس الجهات ذات العلاقة في القيام بدورها .
أما فيما يتعلق بالسياسة الجنائية المقررة لحماية حقنا والأجيال القادمة في بيئة أمنة ونظيفة فأنها لا تقتصر على التشريع  البيئي  ،  حيث جرم المشرع الليبي في عدد من القوانين العقابية التكميلية طائفة من السلوكيات لمساسها  بعنصر من عناصر البيئة  كالمياه والأراضي الزراعية أو ما ينتج عنها من ثروة غذائية إلى جانب الثروة الحيوانية ، وشدد العقاب في بعضها  مثل قانون الجرائم الاقتصادية  الذي أستهدف حماية البيئة بصورة غير مباشرة لأن غايته ؛ تتمثل في الحفاظ على الاقتصاد القومي-  مع تحفظنا على ما يشوب هذه السياسة الجنائية من مثالب – بحماية الأنشطة الزراعية أو الثروة الحيوانية أو ما يتعلق بحماية المستهلك ،
ونشير إلى أن الحكمة من  سن قانون خاص للبيئة تتمثل بحسب المادة الثانية ( ) في: "تحقيق الرقابة على البيئة بقصد حمايتها وتحسينها ، باعتبارها المحيط الذي يعيش فيه الإنسان وجميع الكائنات الحية ، بما في ذلك الماء والتربة والغذاء من التلوث ، مع إيجاد الطرق المناسبة لقياس التلوث والعمل على صيانة التوازن البيئي للوسط الطبيعي والوقاية من التلوث والأضرار المختلفة الناتجة عنها ومحاربتها والتقليل منها ، وتحسين إطار الحياة وظروفها ووضع الخطط والبرامج العملية من أجل ذلك "  ، كما استهدف تحقيق التنمية المستدامة الذي قصد بها : " تحقيق احتياجات أجيال الحاضر دون الإضرار بحاجات وقدرات أجيال المستقبل ". ( ) و الاستفادة من الموارد الطبيعية والعمل على استغلالها الاستغلال الأمثل .
بما يفيد أن الغاية من تشريع بيئي وطني تعتبر السياسة الجنائية جزء من أدواته لتقويم السلوك المخالف ؛ تكمن في تحقيق الأغراض والغايات سالفة الذكر باعتبارها أحد الآليات لتحقيق تنمية وطنية مستدامة  ، ويمكن القول بأن الجريمة البيئية هي : " كل عمل أو امتناع يسبب ضرراً بمكونات الطبيعة مجتمعة " الماء والهواء والتربة " أو بإحداها ، أو بالعناصر الناتجة عنها التي تتداخل في تكوينها هذه الثلاثية لينبثق عنها باقي مظاهر الحياة " ، وعليه  فقد يكون موضوع الجريمة الاعتداء على حق الإنسان في إنتاج زراعي صحي وسليم خالي من الأمراض ، أو الحق في هواء محيط نقي خالي من الشوائب والمواد المتطايرة الضارة ، أو مياه شرب صالحة  … الخ .
 وفى هذا العرض السريع نؤكد على أن البيئة هي المجني عليه الأول والحقيقي لأنها ضحية تعنت الإنسان وتهوره وطمعه ،   لإنكاره مقدار ما يلحق به هو ضرر  أيضا بسبب سلوكه المتعجرف ؛ إذ تتحد فيه صفة الجاني والمجني عليه وتلك مفارقة لا تحدث إلا في هذه الطائفة من الجرائم  ، فهو ضحية عندما يقع الاعتداء من فرد أو جماعة تحرمه التمتع ببيئة نقية ونظيفة ؛ كما وأنه ضحية عندما يكون هو الجاني الذي تسبب  في إلحاق الضرر بالمحيط ككل أو عنصر من عناصر أو مكون من مكوناته بإحداث فعل التلويث بنفسه أو لا يتدخل لمنعه في الأحوال التي يفرض فيها القانون عليه التزاما بالخصوص 

صحيفة الشمس 10/2010

نبذة عن -

اترك تعليقا