للإعلان في الموقع يرجى مراسلتنا من خلال البريد الإلكتروني info@lawoflibya.com
النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. #1
    المشرف العام
    Guest

    افتراضي الأصول الفلسفية للتربية - يستحق القراءة

    الأصول الفلسفية

    د. لطيفة حسين الكندري د. بدر محمد ملك

    نظرية المعرفة 6

    المدارس الفلسفية 9

    الفلسفة المثالية والواقعية 11

    المدرسة الطبيعية 14

    الفلسفة اللامدرسية 17

    الفلسفة البراغماتية والتقدمية 22

    الفلسفة الوجودية 25

    الفلسفة والدين. 29

    فلسفة وأهداف التربية في الكويت.. 31



    من أهم الأسئلة الفلسفية التي تظهر في كتب الفلاسفة: من أين جئنا وكيف سنعيش ولماذا اخترنا هذا المذهب من التفكير؟ ما طبيعة النفس البشرية؟ هل هي طبيعة خيِّرة كما قال روسو (1712 – 1778 م) وأن النفس صفحة بيضاء كما يرى جون لوك (1632 – 1704 م)؟ كيف تتم عملية التعلم ونقل الثقافة وصياغة أهداف التربية؟ ما ضوابط النقاش في المسائل التربوية لتوضيح وتكييف الأفكار؟ ما هي السعادة وكيف نحققها؟ ما حقيقة العلم والحياة؟ كيف نصل إلى الحقائق؟ وكيف نتعامل مع الاختلافات؟ ما القيم الثابتة؟ ما المراد بالحرية؟

    نقصد بالأصول التربوية الفلسفية حصيلة الأفكار القديمة والجديدة التي تحاول بصورة منهجية أن تفهم الأسس المؤثرة في التربية ومصادرها وأهدافها وقضاياها الكبرى. تساعدنا الفلسفة في الإجابة عن الأسئلة الكبرى مثل: لماذا نتعلم؟ وماذا نتعلم؟ ومتى نتعلم؟ وأين نتعلم؟ وكيف نتعلم؟

    كلمة الفلسفة Philosophy يونانية الأصل، ومركبة من مقطعين هما "فيليا" أي مُحب و"صوفيا" أي الحكمة فيكون معناها محبة الحكمة أو حب المعرفة. أول من أطلق هذه الكلمة على الحكمة هو فيثاغورس الفيلسوف اليوناني والعالم الرياضي المشهور الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد. قال فيثاغوس: إن الحكيم الحق هو اللّه سبحانه وتعالى وليس للإنسان أن يزعم بأنه يملك الحكمة وكل ما يسمح له به هو أن يحبها وأن يطلبها.

    نجد في التراث الإسلامي تعريفات عديدة لكلمة فلسفة مع مبررات تشرح مقاصدها وتكشف أوجه القصور والانحراف فيها. "علم الفلسفة ويسمى عند بعضهم علم الأخلاق وتدبير المنزل: علم بأصولٍ تعرف بها حقائق الأشياء والعمل بما هو أصلح. وفائدته: العمل بما اقتضاه العقل من حُسن وقبح" (الأنصاري، 1998 م، ص 170).

    وتعرف الفلسفة بأنها البحث عن طبيعة الأشياء وهي السعي إلى حياة سعيدة باستخدام العقل كما عرفها ابن سينا بقوله: الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية على قدر طاقتها (أبو جلالة والعبادي، 2001 م، ص 219).

    تحتوي الفلسفة على تصورات اجتهادية كلية لقضايا مصيرية تمس كينونة الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل إذ أن الفلسفة تتطرق إلى طبيعة النفس البشرية وتدرس الغاية من هذه الحياة إلى آخر القضايا الجوهرية في حياة الناس. المعطيات الفلسفية لها انعكاسات واضحة على صياغة الأهداف وعلى خطط التعليم والسياسات الضابطة للعمل التربوي. يميل كثير من الباحثين إلى الحديث عن الفلسفة الإسلامية ولكن من الإشكاليات التي تبرز أن الفلسفة بوتقة للأفكار الوضعية وهي كلمة ارتبطت تاريخياً بالآراء النسبية والآراء التي قد تصيب وقد تخطئ مما دفع ببعض الباحثين إلى التحفظ على مصطلح "الفلسفة الإسلامية". يعرض الدين الإسلامي حقائق كلية سالمة من النقص والتناقض ومصدر الدين الوحي لا العقول البشرية. ارتبطت كلمة الفلسفة بجملة من المصطلحات الفكرية المتناقضة بل والمنكرة للدين. وعليه فإن آراء المفكرين كلها قابلة للنقاش حتى آراء كبار علماء الإسلام أما ثوابت وقطعيات الدين الإسلامي فلا مجال في معارضتها لمن آمن واستنار قلبه وعقله.

    يؤكد الكاتبون في ميدان أصول التربية على أن الفلسفة التربوية طريقة لا تنظر في الأفكار المجردة فحسب ولكنها أيضاً طريقة تعليمية تنظر في كيفية استخدام الأفكار بطرق أفضل. تقودنا الفلسفة التربوية إلى معرفة الأسس التي نحتاجها في عملنا في التعليم والتربية فهي مجموعة من المعتقدات التي ترشدنا إلى ما ينبغي عمله في ممارسة التعليم وكيف يتعلم وينمو الإنسان بالشكل الصحيح. يظن بعض الناس أن الفلسفة التربوية من الموضوعات النظرية غير الهامة والحقيقة أن هذا التصور في حقيقته فلسفة تربوية ولا يمكن أن نعزل فلسفة التربية عن حياتنا فالأسرة التي تختار مدرسة خاصة أو عامة أو دينية أو مهنية لأطفالها يتم اتخاذ القرار على ضوء فلسفة تتبناها الأسرة. وعليه فكل معلم عنده فلسفة تربوية تجعله يقرر وسائله التعليمية وتصرفاته التربوية وتعامله مع الطلاب (Parkay & Stanford, 2001, P. 180).

    وجاء في الموسوعة العربية (1996) "ومهما يكن من الأمر فإن الأقدمين كانوا يطلقون لفظ الفلسفة بأعم معانيها على مجموع ثمرات العقل، وقد بقيت هذه التسمية تدل على ذلك مدة طويلة. وكلمة (فلسفي) لم تكتسب معناها الصحيح إلا في المذهب الذي قام بنشره سقراط. فلما جاء أفلاطون حصر ذلك المعنى في مجال أضيق. فكان الفيلسوف في عرفه هو الذي يستطيع أن يدرك الموجود الذي لا يتغير بحال من الأحوال. وهذا الموجود الذي لا يتغير كان عنده يقابل الكائن الذي يتغير وليس له من الوجود إلا ظاهره فقط. فلم تكن الفلسفة علماً خاصاً ولكنها كانت إذ ذاك مجموع العلوم كلها. وأما الفلسفة العصرية المسماة بالفلسفة الوضعية فإنها حاولت بناء فلسفة خالية من التصورات العقلية، ومبنية على الأمور الحسية بدون الاستعانة بالروايات الدينية التي كان يتخيلها الفلاسفة المتقدمون" (بتصرف).

    قال ابن حزم عن حقيقة وغاية الفلسفة "الفلسفة على الحقيقة: إنما معناها، وثمرتها، والغرض المقصود نحوه بتعلمها ليس هو شيئا غير إصلاح النفس بأن تستعمل في دنياها الفضائل، وحسن السيرة المؤدية إلى سلامتها في المعاد، وحسن السياسة للمنزل والرعية، وهذا نفسه لا غيره هو الغرض في الشريعة، هذا ما لا خلاف فيه بين أحد من العلماء بالفلسفة، ولا بين أحد من العلماء بالشريعة. فيقال لمن انتمى إلى الفلسفة بزعمه - وهو ينكر الشريعة بجهله على الحقيقة بمعاني الفلسفة، وبُعده عن الوقوف على غرضها ومعناها: أليست الفلسفة بإجماع من الفلاسفة مبينة للفضائل من الرذائل، موقفة على البراهين المفرقة بين الحق والباطل؟ فلا بد من نعم ضرورة. فيقال له: أليس الفلاسفة كلهم قد قالوا: صلاح العالم بشيئين: أحدهما باطن، والآخر ظاهر. فالباطن: هو استعمال النفس للشرائع الزاجرة عن تظالم الناس وعن القبائح. والظاهر: هو التحصين بالأسوار، واتخاذ السلاح لدفع العدو؛ الذي يريد ظلم الناس والإفساد، ثم أضافوا إلى إصلاح النفوس بما ذكرنا إصلاح الأجساد بالطب؟ فلا بد من نعم ضرورة" (الفصل في الملل والأهواء والنحل).

    ولقد فند الغزالي حجج الفلاسفة في كتابه تهافت الفلاسفة ولكن ابن رشد انتصر للفلسفة فكتب كتابه تهافت التهافت ويُعد الكندي من أبرز الفلاسفة في التاريخ الإسلامي. "يَعْقُوْبُ بنُ إِسْحَاقَ بنِ الصَّبَّاحِ الكِنْدِيُّ الفيلسوفُ، صَاحِبُ الكُتُبِ. كَانَ رَأْساً فِي حكمَةِ الأَوَائِلِ وَمنطقِ اليونَانِ وَالهيئَةِ وَالتّنجيمِ وَالطبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. لاَ يُلْحَقُ شأوهُ فِي ذَلِكَ العِلْمِ المَتْرُوْكِ، وَلَهُ بَاعٌ أَطْوَلُ فِي الهندسَةِ وَالمُوْسِيْقَى. كَانَ يُقَالُ لَهُ: فيلسوفُ العَرَبِ" (سِيَرُ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ، للإمام الذَّهبي المُجَلَّدُ الثَّانِي عَشَرَ، الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةَ عَشَرةَ، 134 - يَعْقُوْبُ بنُ إِسْحَاقَ بنِ الصَّبَّاحِ الكِنْدِيُّ الأَشْعَثِيُّ).

    من أهم سمات الفلسفة أن ميادينها واسعة والجدل في مسائلها عظيم والخلاف في صحة وصدق النتائج محل نظر وقبول ورد عند البعض. الفلسفة اليونانية بسطت رؤاها على معظم ميادين الفلسفة فمعظم المسائل الكلية المطروحة في الفلسفة سبق التعرض لها في كتابات اليونانيين فهم الرواد الأوائل لهذا العلم. الفلسفة في مجملها مجموعة من الأفكار المفترض أنها منظمة تتصل بطبيعة الأشياء وحقيقتها وتجيب عن الأسئلة المتفرعة منها مثل: ما طبيعة الإنسان؟ ما هي المعرفة وكيف وماذا ولما يتعلم الإنسان؟ وهذه الأسئلة تدريجياً ستقودنا إلى مفهوم العدل والصدق والجمال. وكلما اتضحت الإجابة واقتربت من الصواب ونجحنا في تطبيق النتائج كلما انعكس هذا على تحقيقنا للمقاصد المنشودة.

    الخلاصة أن الفلسفة سلسلة من الخطوات تقود الفكر نحو تكوين تصورات مبدئية لفهم قضايا إنسانية شائكة تمس اهتمامات الفرد والمجتمع. وتسعى الفلسفة إلى تحقيق عدة أهداف منها:

    تشجيع النقد الإيجابي، والجدل المنطقي، والشك المنهجي.

    تحليل الأفكار والنظم والقيم.

    دراسة الطرف المخالف لنا في الرأي وفتح الحوار الموضوعي.

    محاولة فكرية دائمة للوصول إلى حقائق الأمور.

    توفير اعتقادات لمواجهة أحداث الحياة، والتخطيط للمستقبل، وفهم التغيرات.

    الإطلاع على أفكار الفلاسفة.

    تنشيط العقل وتشجيع طرح الأسئلة وفتح أبواب الحوار.



    نظرية المعرفة

    من أهم موضوعات الفلسفة البحث في طبيعة المعرفة ومصادرها وتسمى بنظرية المعرفة (Epistemology) وهناك عدة طرق للمعرفة يتفاوت الباحثون التربويون في تقريرها (Eichelberger, 1989, Parkay & Stanford, 2001, P. 87). والذي نراه في نظرية المعرفة يمكن إيجازه في الآتي:

    1-التعلم من التقاليد "Knowing based on traditions" حيث يتعلم الإنسان من الذي يشاهده بشكل غير مقصود أو مقصود من حياته اليومية والبيئة المحيطة مثل معرفة ما ينبغي أن يلبس وكيف يتحدث. يأخذ الفرد من الكبار معلوماتهم التاريخية والاجتماعية التي تحقق التجانس الثقافي في المجتمع.

    2- التعلم من الخبرة الشخصية ""Knowing based on experience وهي التجارب الشخصية والاستنتاجات والقناعات التي تتكون بعد حدث معين كأن يتعامل مع شركة معينة ويكتشف أنها لا تلتزم بالعقد وتحرص على الربح المادي الجشع دون النظر إلى مصلحة العملاء في الشركة فهنا تتكون معلومة واضحة عند الفرد وعلى ضوئها ينصح الآخرين بعدم التعامل التجاري مع هذه أو تلك المؤسسة.

    3- الدراسة المُنظمة"Knowing based on systematic study" وهي تبدأ مع الخطوات المنهجية في جمع المعلومات وتحليلها وفق أسس علمية مُحددة تتسم بالموضوعية "Objectivity" والصدق "Validity" والثبات "Reliability". ومن صوره التعلم الدراسة المنهجية من التراث الإنساني حيث نكون تصوراتنا في كثير من الأحيان من نثر وشعر السابقين.

    4-الدين Knowing based on Divine Revelation وهو من أهم مصادر المعرفة في حياة الناس قديماً وحديثاً وإن أنكره أهل الإلحاد فيستحيل أن يخلق الله جل جلاله الخلق ثم يتركهم بلا إرشاد. إن إيماننا بالغيب يجعلنا نرفض أي تعريف علمي لكلمة العلم يغفل هذا الجانب. في جامعات العالم كلمة العلم تعني ما يمكن قياسه كماً ولكن المسلم يضيف إلي هذا التعريف المادي أن كل ما أنزله الله عز وجل هو أيضاً من أبواب العلم بل هو أصدق العلوم القطعية قاطبة.

    5-الحس والتجربة العلمية: Knowing based on Empiricism من أهم أشكال التعلم المنظم هو التعلم من خلال التجربة العملية العلمية والمشاهدة الحية المدروسة.

    6-الحدس والشعور الداخلي: Knowing based on Intuition وتشمل كل معرفة نتوصل إليها من غير الوسائل السابقة ومصدرها الإحساس النفسي الداخلي. في أصوله العشرين باب الفهم يضع حسن البنا (1984 م) ضابطاً مهماً للمعارف التي نصل لها نتيجة الحدس فيقول في الأصل الثالث "وللإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور وحلاوة يقذفها الله في قلب من يشاء من عباده، ولكن الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية، ولا تعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه" (ج1، ص 252). ومن صنوف هذه المعرفة الحدسية التخاطب عن بُعد فينقبض القلب أو يفرح بشأن شخص عزيز عليه ولا يراه في تلك الساعة ثم يتبين صدق شعوره فيكتشف أن شيئاً هاماً حصل ويسميه البعض بالتليباثي.

    7-المعرفة المبنية على معرفة الأسباب والتحليل المنطقي:

    Knowing based on reason and logical analysis

    وهي دراسة المقدمات لمعرف النتائج والتفكير المتسلسل الذي يولد استنباط الأفكار.

    من هنا يتبيّن لنا، أن المعرفة ومنهج البحث له أكثر من باب والفلاسفة يختلفون في ترتيب هذه الأبواب من حيث أهميتها ولكن المسلم يعلم أن العقل لا يستقل عن الدين وأن الأبواب كلها لا يمكن الوصول لها والدخول فيها إلى من بوابة العقل الذي لا يتعارض مع الوحي ولا يستغني عنه. وإلا لاستغنى الناس عن الرسل، ولما احتاجوا إلى الكتب السماوية. في الفلسفة الإسلامية نقرأ رأي الغزالي الذي يرى أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتضح إلا بالعقل "ولن يغني أس ما لم يكن بناء، ولن يغني بناء ما لم يكن أس، وأيضاً فالعقل كالبصر والشرع كالشمس، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر من الداخل.. وهما متعاضدان بل متحدان" (انظر الزعبي، 2000 م، ص 288، باختصار).



    المدارس الفلسفية

    نحن في عصر انتشار الأقمار الصناعية نردد الكثير من النظرات التي نظن أنها معاصرة في حين أن جذورها قديمة قد ارتبطت بأسماء فلسفية لامعة اعتنت بالفكر وبذلت جهوداً جبارة لتوفير إجابات تفصيلية لأسئلة مصيرية تمس الحياة والكون. لقد خطت التربية الإنسانية عبر القرون الماضية خطوات واسعة ولكنها ما زالت لا تمتلك مذهباً فكريا كاملا لما ينبغي أن نفعله لتحقيق السلامة والسعادة. ظهرت فلسفات شتى وأخرى اندثرت بعد أن ازدهرت وحاولت أن تُولِّد تياراً فكرياً يهيمن على حركة الحياة. ومن المفيد القول أن بعض تلك الاتجاهات مهدت لغيرها وتتفق معها في بعض الجوانب في حين أن بعضها قد تتناقض مع غيرها جوهرياً إلا أنها في النهاية تحاول أن تضع نظرية متماسكة للتغيير وفقاً لمبادئ ترى جدواها. لا شك أن العاملين في ميدان التربية يعملون على تنمية الوعي الثقافي ويطلعون على هذه النظريات في عالم يعج بالفلسفات ولا يمكن أن نفقه التحديات المعاصرة وأن نواجه الشبهات المتزايدة من غير أن نفهم مكونات ومحاور الأفكار والتوجهات والتجارب العالمية وفي الوقت نفسه نعرف مواطن الضعف وجوانب القوة فيها.

    هذه المدارس الفلسفية كثيرة وعلى رأسها المدارس التالية: المدرسة المثالية، والواقعية، والطبيعية، والبراغماتية، والوجودية، واللامدرسية. لن نتحدث عن الفلسفة (أو المذهبية) الإسلامية لعدة اعتبارات أهمها أننا نورد ملامحها في تضاعيف أكثر مباحثنا في هذا الكتاب فلا حاجة لتكرارها. من المعلوم أن فلسفات التربية كالمثالية لأفلاطون، والواقعية لأرسطو، والبراغماتية لديوي، واللامدرسية لإيفان إيلش والوجودية لسارتر والطبيعية لروسو حاولت أن تضع أسس المناهج الدراسية ولكنها جميعاً لا تمتلك مناهج تفصيلية لتربية الأسرة كأهم وِحدة لمساندة المدرسة ولهذا جاءت الفلسفة الإسلامية (إن صح التعبير) بملامح شاملة تختلف تماما عن المدارس الفلسفية ونحن بحاجة ماسة إلى تبنيها حسب متغيرات العصر فهي ثابتة في أصولها متجددة في وسائلها.

    من المعلوم عند المتخصصين في أصول التربية أن فلسفات التربية جميعها حاولت أن تضع بعض محتويات المناهج الدراسية ولكن المدرسة التقدمية (البراغماتية) من أكثر المدارس الفلسفية حديثاً التي هاجمت التعليم التقليدي التلقيني العقيم وفتحت الأبواب عملياً للتركيز على المهارات الحياتية العملية للمتعلم في مدارسنا (McGinnis & Goldstein, 1997, p. 8) من أجل بناء الشخصية القادرة على التعايش والمؤهلة لخدمة المجتمع فطالبت بالاعتناء بالأنشطة المدرسية التي تقوم على الخبرة والمشاريع التي يعدها وينفذها الطلاب بإشراف المدرس.

    يجد الناظر إلى منطلقات هذه الفلسفات أن بعض بداياتها كانت وليدة الحضارة اليونانية التي تستحق أن تسمى بحضارة الفلاسفة الأوائل لأنها أنجبت ألمع رواد الفلسفة على مستوى العالم أجمع. ولأن الفلسفة اليونانية تركت بصماتها على عدد هائل من جهابذة الفكر ومنهم أسماء لامعة في الحضارة الإسلامية كالفارابي وابن سينا وابن مسكويه. حدد اليونان طبيعة الفلسفة وموضوعاتها، ووضعوا مناهج البحث فيها، وأخيراً قدموا نتائج كثيرة وقوانين متعددة رغم الجدل الطويل والنزاع الشديد الذي يحوم حول دلالاتها إلا أنها ساهمت بشكل أو بآخر في تكوين معالم علم الفلسفة.

    الفلسفة المثالية والواقعية

    الجدل السوفسطائي والحوار السقراطي والمناظرات في نقد المسلمات من أشكال الثقافة التي انتشرت في بلاد اليونان فنشأت الكثير من الحركات الفكرية المتناقضة ولكن أهمها وأكبرها الفلسفة المثالية ثم الواقعية. الفلسفة المثالية (Idealism) ورائدها أفلاطون الذي يرى - مثل أستاذه سقراط (470 ق.م – 399 ق.م) - أن القيم والفضائل ثابتة لا تتغير وأن التربية يجب أن تعتني بالتأمل والخيال بينما ترى المدرسة الواقعية (Realism) - ورائدها أرسطو (384 ق.م – 322 ق.م) - أن العناية بالحواس أهم من التركيز على الخيال وتتفق مع المثالية في كون الفضائل ثابتة. لا شك أن النزعة المثالية متأصلة في جذور الفكر الهندي والصيني مما يعني أن المثالية لا تعني ميلاد مدرسة فكرية غير معروفة على الإطلاق قبل اليونان.

    أعلت المدرسة الواقعية من شأن الحواس وأنزلت الفلسفة من سماء التأمل والُمثل إلى عالم الواقع والحواس وبذلك اتسعت ساحة المناهج التعليمية لأنها بدأت تشمل العلوم الفلكية والرياضية علاوة على العلوم الأدبية التقليدية. ترى المثالية طبيعة الإنسان على أنه يتكون من ثنائية الروح والجسد ولا بد من مراعاة هذه الثنائية لتنشئة الفرد بالشكل القويم. يجب أن تسمو التربية بالروح دون إهمال للجسم ولأن عالم المُثل هو غاية السمو الروحي فإن الفضائل حقائق مقبولة عالمياً والقيم الكبرى ثابتة لا تتبدل. يمثل الروح العالم اليقيني الأزلي أما عالم الجسد والمحسوسات فإنه عالم مؤقت خادع لذلك فإن الرقي الفكري خير من كسب المعاش. التأمل في عالم الروح مرحلة من مراحل الكمال.

    قدمت الفلسفة المثالية للتعليم فكرة التوليد السقراطي الذي يقوم على إثارة العقل ودفعه للبحث الذاتي. "كان سقراط يقول بأنه يحترف صناعة أمه، فهي قابلة تولد النساء وتشهد مخاض الأولاد، وهو يُولد النفوس ويشهد مخاض الأفكار" (باقارش والآنسي، 1986، ص 15).

    يهتم التعليم عند المثاليين بقضايا فلسفية تجريدية روحية كما أصبحت الطرق القديمة الرتيبة -القائمة على إعلاء شأن التفكير التجريدي وحفظ المعلومات- تحتل أوسع مساحة في المدارس.

    أيَّد جون لوك (1632 – 1704 م) المدرسة الواقعية لأنها أعطت الفكر النقدي مجالا أوسع ولأنها ترى أن التجربة والواقع والحواس -لا المثال والتجريد- أساس المعرفة وأسلم طريق للحصول على العلم، والبحث فيه، والاستفادة منه. الطفل كما يرى لوك صفحة بيضاء تستقي سطورها من مداد تجارب الواقع. جاءت هذه الفلسفة لتؤكد على ضرورة دراسة الظواهر الطبيعية إلى جانب العناية بالرياضيات وسائر العلوم.

    يعد القسيس جون آموس كومينوس (1592-1670 م) من رواد المدرسة الواقعية الحسية وهو فيلسوف تشيكي. كان كومينوس أول من ألف كتاباً مصوراً للأطفال سماه عالم المحسوسات المصورة، ولم يقتصر اهتمامه على الأطفال فقط إنما شمل به الأمهات، حيث أقام لهن مدرسة متخصصة لتثقيفهن (الهولي، والمسعد، 2002 م، ص 75). قبل أكثر من أربعمائة سنة قدَّم كومينوس عمله المنهجي المبتكر في عالم الطفل عندما ألَّف كتابا عن عالم المحسوسات المصورة ليجعل الصورة من أهم أساليب تعليم الطفل في المدارس مع التركيز على تعليم الطفل حقائق الحياة وقد استخدم في كتابه "طريقة عرض الأشياء بدلاً من الكلمات والرموز وذلك بعرض الأشياء نفسها مصورة" (شفشق، 1980 م، ص 222). ولا عجب أن يراه الباحثون كأول مؤسس للتربية الحديثة الخاصة بالطفل وأنه معلم الأمم. وإلى هذا اليوم يعتز الأوربيون بهذا العَلم لأنه اعتنى بالتربية العقلية والأخلاقية على حد سواء علاوة على أنه وضع منهجه الحسي في التدريس فأثَّر لعدة قرون في الفكر التربوي العالمي (Psenak. 1991). رغم أن حياته المضطربة كانت مليئة بالمحن والاضطهاد إلا أنه أسعد أطفال العالم بوسائله التعليمية.

    رسخت الواقعية منهج التجريب والنقد العلمي والشك المنهجي وشجعت المتعلم على ملاحظة الظواهر الطبيعية بصورة منتظمة ونادت بإعمال العقل في التحليل واستغلال الحواس للتوصل للحقائق اليقينية. عكس الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596 – 1650م) جانباً من جوانب هذا المنهج في مقولته الشهيرة "أنا أفكر، وإذن فأنا موجود". لا يمكن الوصول للحقائق الدينية والدنيوية إلا من خلال منهج الشك. المنهج الشكي هو الطريق الصحيح لمعرفة وجود الله، ولمعرفة الحياة، ولمعرفة الحقيقة.

    وهكذا لم تفرق هذه المدرسة بين عالم المثل والروح وبين عالم الجسد والواقع ولم تتوسع في التأمل العقلي كما فعل أفلاطون. من محامد الواقعية كحركة فكرية أنها اهتمت بالتربية المهنية ودعت إلى ضرورة ربط المناهج التعليمية بالمجريات اليومية والحاجيات الحياتية الفعلية.



    المدرسة الطبيعية

    هناك العديد من البواعث التي دفعت المفكرين إلى بلورة المدرسة الطبيعية (Naturalism) في أواخر عصر النهضة بعد اضمحلال التعليم وبعد أن "انتشر الزهد وسادت النزعة الدينية وضعفت الحركة الإنسانية" (أبو جلالة والعبادي، 2001 م، ص 232) ظهرت الفلسفة الطبيعية لتنادي بالرجوع إلى المناشط التعليمية التي تتماشى مع القوانين الطبيعية الأصيلة كتشجيع الخبرات المباشرة والرحلات الميدانية. من هنا فإن العقاب البدني يتنافى مع أبجديات هذه الفلسفة القائمة على تشجيع الذاتية ورفض التعسف الذي يقمع تنمية الميول الطبيعية للطفل.

    اهتم جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau (1712 – 1778 م) بالبُعد الإنساني وأخذ في بلورة الفلسفة الطبيعية وذلك في كتابه إميل فرسم للتربويين مسار التعليم ورسخ دور الطبيعة لا المدرسة في تنمية الأطفال. قصة إميل تجسد أهمية الطبيعة في تربية الطفل تربية صحيحة تحرره من المدارس والأنشطة الصفية التي تُكَبل النفس بقيود كثيرة، وتكبل الفكر بكوابح عديدة، وتمنع الطفل من الانطلاق والتعلم والتمتع بالعالم الفسيح من حوله والذي يحتوي على خبرات ثرية تفي بحاجته وتلبي طموحاته. طالب روسو بتلبية احتياجات الطفل وضرورة إزالة العقبات التي تواجهه وفقا لمتطلبات بيئته على أن لا تتنافى طرائق التعليم مع حرية الطفل ونموه.

    يري بعض الباحثين في مجال الطفولة أن جان جاك روسو من الذين أحدثوا تغييراً هاماً في النظرة إلى الطبيعة الإنسانية وحاجات المجتمع وأنه من أوائل مَن نادى بالتعلم الذاتي دون فرض أو إكراه وعليه فإن حرية الطفل وحقه في التعبير وعدم إرهاقه بالمسئوليات من أهم المبادئ التربوية التي تتفق مع الطبيعة وقوانينها فالطبيعة تسمح بالنمو الحر الطليق فينمو الطفل وفق فطرته الخيرة (بدر، 2000 م، ص 166).

    جان جاك روسو من الفلاسفة غير المنصفين للمرأة ففي كتابه إميل يقول: «المرأة وجدت خصيصاً لإسعاد الرجل.. وإذا كان على الرجل أن يسعدها في المقابل فإن ذلك أقل أهمية ففضيلته تكمن في أنه قوي. بل كان روسو يعتقد بوجود فوارق في «الطبيعة الأخلاقية» بين الجنسين. فهناك قيم خاصة بالمرأة وأخرى خاصة بالرجل، ومن أجل ذلك طالب بأن يكون تعليم المرأة موجهاً للهدف من وجودها وهو إسعاد الرجل. الليبراليون ... يجمعون على أنه بما أن المرأة لم تحظ بالقدر المساوي من التعليم والتنشئة الاجتماعية ذاتها التي حظي بها الرجل، فإننا لا يمكن أن نجزم بوجود فرق جوهري بين الجنسين. والواقع أن التطبيق الغربي رغم عدم مثاليته في بعض الجوانب، أثمر ازدهاراً حضارياً ورفاهية لم تعرفها البشرية عبر تاريخها (حيدر، 2002 المرأة في المنظور الليبرالي، ص 35، بن جاسم 2002، ص 21). المرأة المثقفة عند روسو وبال على زوجها وأسرتها ومجتمعها وعليها أن تأخذ من التعليم قدراً محدوداً كي ترعى منزلها فقط كأن تتعلم الطهي والتطريز والموسيقى.

    يتفق هربرت سبنسر (1820 – 1903) مع الفلسفة الطبيعية في كثير من مسلماتها ولكنه نادى بأهمية العقاب بما يتماشى مع الطبيعة كطريقة لتعليم الطفل (باقارش والآنسي، 1986، ص 119).

    من منظور الفلسفة الطبيعية نجد أن الطبيعة قادرة على تشكيل النفس الإنسانية السوية كي تتكيف مع المجتمع. نادت هذه الفلسفة بضرورة احترام الفروق الفردية وحماية الطفل من الضغوط المجتمعية التي تحدث باسم التنشئة وتمارسها الأسرة أو المدرسة دون اعتبار لذاتية الفرد. أنصار هذا المذهب مثل يوحنا هنري بستالوزي (1746 – 1827 م) وفردريك فروبل (1782 – 1852م) وروسو وسبنسر عملوا على إرساء دعائم تربوية ذات صبغة نفسية للتعامل مع الأطفال على أساس تشجيع واحترام حرية الطفل في كيفية تنمية الملكات النفسية والعقلية والجسدية. التعليم المدرسي يُفسد النفس الخيِّرة للمتعلم ويفسد طبيعته السوية فالواجب أن نعرف المراحل العمرية والمناشط التعليمية المناسبة لسيكولوجية النمو في كل مرحلة. وبما أن الطبيعة والخبرات التي تتناغم معها هي أساس التعامل مع النفس فإن الطبيعة وكل ما ينسجم مع نواميسها هي مصدر المعرفة ومنها نستقي أصول التربية وبالتالي فإن الضغوطات الخارجية مثل الواجبات المدرسية والاختبارات تعكر صفو النمو الطبيعي.

    الفلسفة اللامدرسية تؤكد على معظم الأفكار السابقة بل هي امتداد طبيعي للفلسفة الطبيعية.



    الفلسفة اللامدرسية

    بادئ ذي بدء لا ينكر أحد أن الأنشطة اللامدرسية ضرورة ثقافية، ومعيار نهضة الأمم، وعماد الحركة التعليمية في الدول المتقدمة والفقيرة على حد سواء. يرى بعض الفلاسفة أن المدارس اليوم أداة من أدوات التحطيم لا التعليم وهي مقولة تتضمن على نظرات هامة. تنادي الفلسفة اللامدرسية (Deschooling) بعدم الاعتماد الكلي على المؤسسات التعليمية في عملية القيام بمهمة التربية والتثقيف لأنها تخدم مصالح الطبقة الأرستقراطية وفئات قليلة. يعتبر إيفان إليش Illich (2002) Evan وهولت جون Holt Jhon (1992) من زعماء هذه الفلسفة في القرن الماضي كما تعتبر د. براكاش Prakash (1994) من المؤيدين لهذه الفكرة في العصر الحديث. كتبت براكاش Prakash (1993) عن نظرية غاندي في التعليم وتوصلت إلى أن فلسفة غاندي تقوم على تأييد نظرية اللامدرسية وخاصة في ميدان التربية البيئية.

    في مقاله عوضاً عن التربية In Lieu of Education شرح إيفان سمات الفلسفة اللامدرسية أي عندما لا تنحصر الدراسة في مكان أو مؤسسة فإن التلميذ في هذه الرؤى:

    يقترب المتعلم من بيئته بشكل كبير.

    يتعلم من خلال تجاربه learning by doing ويستفيد من أخطائه.

    يتعلم من أقرانه.

    يتفاعل مع بيئته ايجابيا.

    يحقق ذاته وتزداد ثقته بنفسه.

    يحقق المنفعة التي يحتاجها عمليا.

    يتعلم من خارج أسوار المدرسة أساس الفلسفة التربوية ومن ثم فإن الحياة كلها هي المدرسة الفعلية.

    حماية البيئة الطبيعية وظيفة هامة من وظائف التربية.

    بنظرة نقدية صارمة تعقب إليش فكرة المدارس الحديثة وذكر أن الدول تنفق مبالغ ضخمة عليها في حين أنها لا تنفع الفقراء فما زالت أحوالهم كما هي بل ساهم التعليم في زيادة سيطرة أصحاب النفوذ فازداد الفقير فقراً وازداد الغني ثراءاً فاحشاً. تخبرنا الدراسات الميدانية أن الكثير من أبناء الفقراء يتسربون من الدراسة وقليل منهم ينهي الدراسة في المرحلة المتوسطة والثانوية. يثير إليش موضوعاً في غاية الأهمية عن الفرص التعليمية العادلة "Equal educational opportunity" فهل العدالة أساس التعامل في مدارسنا؟ أم أن المناطق النائية لا تأخذ حصتها كما تأخذها مناطق النخب؟ في كتابه مجتمع بلا مدارس يرى إليش أن المجتمعات المعاصرة قامت بتقديس المدارس وصورت التكنولوجيا بأنها خلاص البشرية من أزمات الفقر والمرض والجهل وهو الأمر الذي لم يتحقق. مازالت الطّبَقَةُ العَامِلَة الكَادِحَة البروليتاريا proletariat تعيش في صِرَاعِ الطّبَقَات class struggle رغم وعود باطلة كلها عديمة الجدوى futile promises كما يصفها إليش (Illich, 2002).

    ومن رواد هذه المدرسة أيضا وندل بيري (Berry, 1990, 1987) الذي انتقد التربية المعاصرة وطرح التساؤلات حولها كما بين أهمية الرعاية الأسرية والاقتصاد المنزلي (Home Economic).

    طالب ديفيد أور المدارس باستحداث مقرر التربية البيئية كأساس في المناهج المعاصرة (Orr, 1992) وهاجم حصر التعليم داخل أسوار المدرسة إذ أن التربية الحديثة وإلى نهاية القرن الماضي جعلت الفصل المنفصل والحصة الدراسية المعزولة حقلاً أساسياً للعملية التدريسية. من منظور ديفيد أور، يجب أن تلعب الأنشطة اللاصفية دوراً هاماً في مدارسنا ومن الخطأ أن تدور العملية التربوية حول كتاب مدرسي لا صلة له بالبيئة الطبيعية. يطالب ديفيد أور في أطروحاته أن تكون التربية البيئية فلسفة عامة تمتزج في جميع المناهج الدراسية وليست مادة دراسية منفصلة فقط لا هم لها إلا الامتحانات والحفظ والأوراق. مهما يكن الأمر فإن المجلات التربوية التخصصية والدراسات الأكاديمية أعطت أطروحات ديفيد أور اهتماماً كبيراً (Anderson, 1992, Esteva & Prakash, 1998 ).

    تتمحور فلسفة اللامدرسية حول كلمتين هما: "التربية البيئية" وهي في أدبيات الرواد (Edu-cology). التربية البيئية تحاول أن تجيب على سؤال هام جداً وهو: كيف يمكن للإنسان أن يعيش بانسجام مع بيئته الطبيعية؟ (Sen, 2002).

    "يربط إليش بين التحرر من المدرسة وإزالة الاستلاب الثقافي وبين رفض التصنيع المفرط وسيطرة حياة المدينة وإحالة الشخص إلى مجرد أداة للعمل وقلبه إلى محض دولاب من دواليب الإنتاج، أياً كان مستوى كفاءته وأياً كان وضعه. وهو يرفض الإنتاجية العمياء" (علي، 1995 م، ص 235).

    تواجه اللامدرسية أسئلة حاسمة ومن التحديات التي تواجه هذه المدرسة الفلسفية أنها تعمل على:

    تهميش دور المؤسسات التربوية والتعليمية التي تعمل بشكل منظم ومنهجي.

    تهميش دور المعلم الذي يعتبر من أهم المحاور في العملية التعليمية.

    الاعتماد على الأدوات البدائية التي تؤدي إلى قلة الإنتاج.

    عدم الاهتمام الكبير بالوسائل التكنولوجية الحديثة والخوف منها (الحاسب الآلي).

    قد لا يتلاءم الأقران مع بعضهم البعض في اللامدرسية بسبب عدم ملاءمة ميولهم للأنشطة التعليمية.

    رغم أن دراسات عربية عديدة ترجمت وناقشت الفلسفة اللامدرسية إلا أننا نحتاج إلى أن نسلط الضوء على غياب المدرسة عن سماء الوطن العربي إذ أن عدد الأطفال العرب الذين لم يدخلوا المدرسة فاق مليوني طفل في بعض الأقطار. تدل الإحصائيات الصادرة عن المراكز الإستراتيجية والدراسات والتخطيط في العالم العربي على أن ملايين البنات والأولاد لم يدخلوا المدرسة قط، أو غادروها بعد أن دخلوها وهم في مرحلة مبكرة من حياتهم، وذلك في المدن وتزيد الأرقام المخيفة وخاصة عند الحديث عن تعليم الإناث في الأرياف والمناطق البعيدة.

    يتفق منهج الإسلام في جوانب كثيرة مع هذه الفلسفة لأنها تهتم بتوسيع دور التربية الأسرية كما تهتم بالتربية البيئية بل لقد وجه الإسلام طاقات الفنانين نحو رسم المناظر الطبيعة وطالب الجميع بالتأمل في ملكوت السماوات والأرض وحذر من الإضرار بالموارد الطبيعية.

    درست د. لطيفة الكندري الفلسفة اللامدرسية من منظور التربية الأسرية في الإسلام وأكدت على أن التربية البيئية يجب أن تبدأ في الأسرة بصورة منظمة وأهداف معلومة ثم تتمم المدرسة غرس المهارات الحياتية التي اكتسبها الطفل في الأسرة شريطة أن يكون الدافع لحماية البيئة لا يقتصر على المصلحة المادية فقط ولكن الجوانب أو الدوافع المادية مع الجمالية، والدينية يجب تكون أساس السلوك الذي يدفعنا نحو القيام بواجبنا تجاه الطبيعة (Alkanderi, 2000).

    الفلسفة اللامدرسية هي عودة للبساطة والشمولية والواقعية، وعودة إلى الجذور التربوية التي تجعل تعلم المهارات الحياتية أساس المناهج الدراسية وهي أيضاً في مجملها دعوة ناقدة للتقدم المادي الذي لوث البيئة واستنزف الخيرات وفي النهاية فإن اللامدرسية في كثير من أطروحاتها تتفق مع أساسيات الإسلام، وبدهيات العقل، وأخلاقيات الإنسان.

    هناك عدة طرق لغرس المهارات الحياتية منها وضع مقرر خاص لتدريس وتدريب الناشئة واستغلال طابور الصباح بصورة منظمة ومنهجية لتعويد الطلاب وتثقيفهم كما أن الرحلات الخارجية واستضافة المتخصصين في المدرسة من الوسائل الجيدة لتنمية الوعي البيئي المهمل.



    الفلسفة البراغماتية والتقدمية

    ترجع أصول الفلسفة البراغماتية (Pragmatism) إلى كتابات هريقليتس (535 – 475 ق.م) المفكر اليوناني وكونتليان (35م – 95 م) الخطيب الروماني وشارلز بيرس ووليم جيمس (18420-1910 م). تسمى البراغماتية بالأداتية والذرائعية والنفعية والعملية. أفرزت الفلسفة البراغماتية لاحقاً الفلسفة التقدمية وهي مدرسة إصلاحية تؤكد على دور المدرسة على أن تكون مرآة مصغرة للبيئة لأنها يجب أن تعكس أنشطة الحياة خارج أسوار المدرسة في منظومة ديناميكية متكاملة متجانسة. ربطت هذه الفلسفة التربية بخدمة المجتمع مع إعطاء المتعلم قدرا كبيرا من الحرية في اختيار ممارساته. رسخ جون ديوى معالم هذه النظرية ودفع بها إلى عالم الشهرة والأضواء حتى غدت من أكثر المدارس الفلسفية انتشاراً في العالم الغربي والعربي. وقام إسماعيل القباني (1898 – 1963 م) –المربي المصري- ببذل جهودٍ علمية وعملية ضخمة لنشر هذه الفلسفة في مصر وسائر أرجاء الوطن العربي ونذر حياته الحافلة لذلك الغرض وجعلها من أولويات التربية العربية المعاصرة.

    تدور جميع محاور المدرسة التقدمية حول مفهوم الخبرة والممارسة وخطوات التفكير العلمي القائمة على مهارة حل المشكلات (Problem-Solving Skills) وخدمة المجتمع الديمقراطي وتبني مبدأ المشاريع كوسيلة من وسائل التعلم. وتؤكد أيضاً على ضرورة تجاوز الماضي والمتعلم أحوج ما يكون إلى ثقافة اليوم والغد يأخذ منها على قدر حاجته للحياة الفاعلة المفعمة بالخبرات الناجحة. لا شك أن هذه المدرسة قامت بثورة فكرية تاريخية ضد المدارس التقليدية التي اهتمت بالمعلومات وقللت من شأن المهارات. لا تؤمن هذه المدرسة بثبات القيم بل الأخلاق نسبية تتحدد وفق قناعات المجتمع فالقيم تتفاوت حقيقتها حسب وضع وزمن المجتمع وقناعات الفرد. من هنا فلا حاجة كبيرة للدين والموضوعات النسبية في المناهج والمناشط التعليمية. أهم محور في هذه الفلسفة أن الطريق لكسب المعرفة يكون بالممارسة الحسية ولا يتحقق بالمدارسة التأملية.

    مهدت الفلسفة البراغماتية للتربية التقدمية (Progressivism) ويعتبرها البعض التطبيق التربوي لها. ظهرت هذه المدرسة في أمريكا في بداية القرن العشرين وأبرز روادها هو الفيلسوف والمربي الشهير: جون ديوي. نشطت الحركة التقدمية واكتسحت الساحة التربوية الأمريكية في الفترة ما بين 1920-1945م. دعت هذه الحركة الضاغطة إلى دعم العملية التعليمية بمزيد من الجهود الإنسانية والطاقات المتخصصة، والامكانات المتاحة. من الواضح أن الحركة التقدمية تجاوزت الجدل الفلسفي النظري وأنزلت الفلسفة من برج الجدل العالي إلى واقع الناس الفعلي. لفترة طويلة كانت الفلسفة تائهة في دهاليز المثاليات ولم تر نور العمل الإجرائي إلا قليلاً، وكثيرا ما كانت الأفكار تحتقن ثم تختنق في عروق الفلاسفة لأنها تغذت بالنظريات من دون أن تعرف طريقها إلى عالم التجارب.

    جاءت المدرسة التقدمية كثورة عارمة على سلبيات النظام التعليمي التقليدي العقيم الذي يقوم على التمحور حول المعلم والكتاب المقرر وطرائق التعليم الجامدة. أكدت المدرسة التقدمية على الآتي:

    1- الخبرة المباشرة مع البيئة المحيطة أفضل مناخ للتعلم. فلسفة التربية تسند إلى قاعدة أساسية وهي أن التعلم الفعال ينتج من خبرات تعليمية ممتعة قائمة على مبدأ الإبداع وحل المشكلات.

    2-الاعتماد على الكتاب المدرسي والمنهج والتقوقع في إطاره لا يناسب المتعلمين إذ أن التعلم الجيد يجب أن يقوم على أساس مبدأ الحرية والمرونة والخبرة والشمول.

    3- المعلم كالموجه الإداري الذي يتيح ويوفر الأجواء المناسبة للتعليم من خلال طرح الأسئلة وتوجيه اهتمامات المتعلمين إلى الميادين الإنتاجية.

    4- مراعاة الفروق الفردية لكل متعلم بحيث يتعلم الطالب كيف يسأل عن البيئة المحيطة به ويستفيد منها وهذه من أهم المهارات الحياتية.

    5-المدرسة عليها أن لا تنحصر في نفسها وعليها أن لا تنعزل عن المحيط الاجتماعي الخارجي الذي يحيط بالمدرسة واليوم ذهب بعض رواد المدرسة التقدمية إلى أبعد من أطروحات جون ديوي حيث اقترحوا: أن تكون جميع البرامج الدراسية من المواد التي يريد المتعلم دراستها ويرغب تعلمها ومن الواضح أن هذا التوجه الجديد عليه انتقادات كثيرة.

    6- جميع العلوم والقيم نسبية متغيرة والمدارس يجب أن تركز على أسلوب حل المشكلات وأن تقوم بتزويد المتعلم بالمهارات التي تساعده على التغيير لا المعلومات التي قد تتغير في المستقبل.



    الفلسفة الوجودية

    تؤمن الفلسفة الوجودية Existentialism بالحرية الإنسانية المطلقة في الحياة وهي بالتالي ثورة حقيقية متواصلة على كل القيم المتوارثة وجميع الفلسفات السابقة. الوجودية "رؤية فلسفية للوجود الإنساني، ظهرت في أوربا – عقب الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918 م) – في ألمانيا أولاً ثم في فرنسا" (عمارة، 2000 م، ص 282). لا يساورنا شك في أن الوجودية كنظرية وتطبيق ليست حركة جديدة بل جذورها في هذا المضمار ضارب في القدم وعندما تحررت أوربا من سلطة الكنيسة أصبح المفكر لا يخاف من نشر خواطره الخطيرة فاستغل البعض أجواء الحرية لنسف كل الحدود الدينية وجميع السدود المجتمعية. تنقسم هذه المدرسة إلى قسمين: القسم الديني المؤمن بالنصرانية، والقسم الملحد. القاسم المشرك بين القسمين أنهما يحاولان فلسفياً بيان ماهية الوجود الإنساني. الوجودية الملحدة هي المعروفة والأكثر شهرة في الثقافة العربية والعالمية ولقد تلقفها –للأسف- مجموعة غير قليلة من المسلمين ضمن سلسة الاختراق الثقافي الإيديولوجي، ونحن هنا سنتعرض لمرتكزات هذا القسم مع بيان مجمل للتطبيق التربوي. تلغي هذه الفلسفة خصوصيات الإنسان ككائن اجتماعي يتأثر بمعطيات المجتمع فلا يمكن أن يتغافل عن محيطه الذي يعيش فيه كما أن النظرة الوجودية تحرم الإنسان من الصلة الروحية بخالقه فلا تعطي أي وزن للمضامين الدينية.

    يقوم هذا المذهب الذي نبت في أوربا على فكرة أساسية تنص على أن "الوجود الإنساني الذي هو الحقيقة اليقينية الوحيدة ... ولا يوجد شيء سابق عليها، ولا بعدها، وتصف الوجودية الإنسان بأنه يستطيع أن يصنع ذاته وكيانه بإرادته ويتولى خلق أعماله وتحديد صفاته وماهيته باختياره الحر دون ارتباط بخالق أو بقيم خارجة عن إرادته، وعليه أن يختار القيم التي تنظم حياته". "ترجع بذور مذهب الوجودية إلى الكاتب الدانمركي كيركا جورد 1813-1855م وقد نمى آراءه وتعمق فيها الفيلسوفان الألمانيان مارتن هيدجر الذي ولد عام 1889م، وكارك يسبرز المولود عام 1883م. وقد أكد هؤلاء الفلاسفة على أن فلسفتهم ليست تجريدية عقلية، بل هي دراسة ظواهر الوجود المتحقق في الموجودات" (البرغوثي، 2002 م، باختصار).

    الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر (1905 - 1980 م) أكبر منظر لهذه المدرسة التي لا تقيم وزناً للدين والقيم الثابتة. انتشرت أفكاره في النصف الثاني من القرن العشرين وخاصة في ميدان القصة والشعر. من نتائج التحرر التام من أنظمة المجتمعات: الدعوة العلنية للإباحية الجنسية، وتسفيه الأديان، والاستهتار بالمبادئ العامة، وتقديس الإنسان، وقمع الحِس الجماعي، ونبذ مكارم الأخلاق. استغلت الحركة الصهيونية هذا المذهب الهدام لزعزعة النظام وتحقيق مآربها الضالة.

    تظهر الملامح التربوية الرئيسية في الفلسفة الوجودية في النقاط التالية:

    "تكون الفلسفة أكثر فائدة إذا بنيت على الحقيقة" (عبود، 2001 م، ص 467) كما يقول سارتر فالمعرفة الحدسية أساس الفلسفة الكلية.

    الإنسان هو الغاية في الحياة. الحياة رحلة يبحث فيها الإنسان عن إجابة للأسئلة المحيرة كي يسعد ولا يستبد به الشك.

    التربية بكل مناهجها التعليمية وأنشطتها الفصلية يجب أن تحقق ذاتية الفرد لا أهداف المجتمع.

    التحرر من الأخلاق أساس السلوك البشري كله.

    تشجيع الشك في كل المسلمات، وتمجيد العقل، والترحيب بالحوار بلا حدود.

    لا تعترف الوجودية بالحق المطلق والفضائل الأخلاقية بل هي العدو اللدود للعقل وللوجود.

    "تنكر الوجودية على المعلم استخدام العقاب أو التوبيخ أو الإذلال حتى لو كان الطالب مخطئاً لأن أهمية التربية ليست بحجم المادة التي يتعلمونها بل بمقدار أو بكيفية الاستفادة مما يتعلمون" (أبوجلالة والعبادي، 2001 م، ص 238).

    المتعلم هو محور الحركة التعليمية وجميع الخبرات التثقيفية.

    "المدرسة في رأي الفلاسفة الوجوديين مسئولة عن فتح المجال أمام التلاميذ للبحث والتدقيق في أي مجال يرغبونه" (علي، 2001، ص 317).

    10. "لقد أجادت الوجودية استخدام الفن والأدب، بما في ذلك المسرح في نشر فلسفته" (عمارة، 2000 م، ص 282).

    11. الجانب العملي المستمد من الواقع المادي هو الطريق المؤدي إلى صياغة الشخصية الإنسانية المؤمنة بذاتها، المستقلة عن غيرها. تهاجم الوجودية التعليم المهني والتخصصي إذا كان يقيد مستقبل الإنسان لأنه يقلل فرص الاختيار للعمل وهذا يخدم المجتمع لا الفرد.

    يقول د. سعيد إسماعيل علي في كتابه فقه التربية "ولعل أهم إفادة يمكن أن تعطيها لنا دراسة التربية الوجودية أنها تدربنا على فن البحث عن السؤال لا الجواب، ذلك أن هذه مهارة نحن في أشد الحاجة إليها في مجتمعنا العربي المعاصر حيث تغمرنا من كل جانب إجابات الحضارات الغربية، فإذا عرفنا أن الفلاسفة الوجوديين في سبيل البحث عن السؤال يثورون على حالة هذه الحضارة الغربية الراهنة التي اهتمت بالأجوبة، لو عرفنا هذا معرفة جيدة، فمن المرجح أن نرفض هذه الإجابات ونبدأ في البحث عن السؤال الخاص بنا المميز لثقافتنا ولمجتمعنا الذي نريد له التطوير والنهوض" (ص 315).

    لقد جاءت التربية الوجودية بعد مخاض طويل واضطراب كبير لتعالج الفوضى التي أصابت أوربا الصناعية بعد اشتعال الحروب الطاحنة وفشل الدين النصراني في إيجاد إجابة وافية واستجابة مقنعة لقضايا العصر. نجحت الوجودية في جوانب عديدة في توجيه سهام النقد للحضارة الغربية وتوجهاتها الفكرية. جاءت النظرية الوجودية لتحل المشكلات بمنهج الشك ولتبدد الحيرة في النفوس ولكن الأمر ازداد غموضاً واضطرابا فقام الغربيون بتفنيدها. الباحث المسلم لا يمكن أن يغض الطرف عن خلل وتحلل الفلسفة الوجودية في ميدان الاعتقاد والعمل لأنها من أخطر المذاهب التي تنخر جيل الشباب خاصة وتدفع بهم إلى هاوية الشرك، والقنوط، والعزلة فكيف تطمئن القلوب، وتقر النفوس؟ لا ريب أن الملحد الذي ينكر خالقه قد جحد دلالات العقل، وأنكر شواهد الفطرة، وأهمل مسلمات الحواس، وجهل الأخبار الصادقة المتواترة، وجميعها آيات بينات تشهد بوجود الخالق.



    الفلسفة والدين

    الفلاسفة عبر القرون يقدمون تصورات لما نراه، ونريده، ونفكر به (Rorty, 1998, p. 1). ولأن الفلسفة نتاج إنساني صرف فإن النقص والقصور والتناقض يظهر فيه ولا يمكن التخلص منه. ولقد نشأت مذاهب فلسفية كثيرة على مسرح الفكر الإنساني وكلها لم تسلم من سهام النقد. مكن الخطر في الفلسفات الفاسدة أنها تسبب جمود الذهن وتساهم في اختيارات عملية خاطئة.

    فلسفة السوفسطائيين من الفلسفات الجدلية القديمة جداً والسوفسطائيون ظهروا في اليونان وادعوا أن عقل الإنسان هو مقياس معرفة كل الأمور وأن القيم والحقائق ظنية وليس هناك حق وباطل كما تعارف عليه المفكرون عبر العصور وكما جاءت تعاليم الأديان. بشكل أو بآخر هذه الأطروحات تطل برأسها من حين لآخر في كثير من المجتمعات وبمسميات لا حصر لها ومن شأن هذه الفلسفة تهميش دور الدين في حياة الناس وتقويض الأخلاق.

    ورد في الموسوعة العربية "السوفسطائية هي فرقة من الفلاسفة ينكرون المحسوسات والبديهيات ويعدون الوجود خيالاً في خيال. قال ابن حزم: ذكر من سلف من المتكلمين إنهم ثلاثة أصناف. فصنف منهم ينفي الحقائق، وصنف منهم شكوا فيها، وصنف منهم قالوا هي حق عند من هي عنده حق، وهي باطل عند من هي عنده باطل. وعمدة ما ذكر من اعتراضهم فهو اختلاف الحواس في المحسوسات كإدراك البصر من بعد عنه صغيراً ومن قرب منه كبيراً. وكوجود من به حمى صفراء حلو المطاعم مراً، وما يرى في الرؤيا مما لا شك فيه رائية إنه حق من أنه في البلاد البعيدة. ويكفي من الرد عليهم أن يقال لهم قولكم إنه لا حقيقة للأشياء حق هو أم باطل فإن قالوا هو حق أثبتوا حقيقة مّا، وإن قالوا ليس هو حقاً أقروا ببطلان قولهم وكفوا خصمهم أمرهم. ويقال للشاك منهم: أشككم موجود صحيح منكم أم غير صحيح ولا موجود فإن قالوا هو موجود صحيح منا أثبتوا أيضاً حقيقة مّا، وإن قالوا هو غير موجود نفوا الشك وأبطلوه. وفي إبطال الشك إثبات الحقائق أو القطع على إبطالها" (بتصرف).

    يقول القرضاوي في كتابه مدخل لمعرفة الإسلام "لقد تبين لنا أن إنسان العلم الحديث هو "ذلك المجهول" الذي لم يستطع العلم أن يسبر غوره، وأن يتعرف على حقيقته، وأن ينفذ إلى أعماقه. لقد عرف العلم الجمادات أو المادة، وحللها واكتشف قوانينها، ولكنه عجز عن معرفة الإنسان. ومادام العلم يجهل الإنسان، فلا يؤمل منه أن يحسن توجيهه وتربيته والتشريع له، بل بدا اليوم أن العلم ـ بعبارة أدق: تطبيقاته التكنولوجية ـ أصبح خطرا على فطرة الإنسان، وبيئة الإنسان. و"إنسان الفلسفة" ليس أحسن حظا من إنسان العلم، والفلسفة رغم اهتمامها بالإنسان ـ منذ أنزلها "سقراط" من السماء إلى الأرض ووجه العقل الإنساني إلى محاولة اكتشاف ذاته: اعرف نفسك ـ لم تتفق على رأي في نظرتها إلى الإنسان: أهو روح أم مادة؟ جسم يفنى أم روح يبقى؟ الأصل فيه الخير أم الشر؟ أهو فردي أم جماعي؟ أهو ثابت أم متطور؟ أتجدي فيه التربية أم لا تجدي؟ هنا نجد الفلسفة الإلهية مناقضة للفلسفة المادية، والفلسفة المثالية مناقضة للفلسفة الواقعية، وفلسفة الواجب معارضة لفلسفة المنفعة أو اللذة، إلى آخر ما نعرفه من تناقضات في الساحة الفلسفية، فهذا يثبت، وذاك ينفي، وهذا يبني، وذاك يهدم. ومن هنا لا تستطيع الفلسفة وحدها أن تهدى الإنسان سبيلا أو تشفي له غليلا، أو تمنحه منهجا يركن له ويطمئن إليه، ويقيم حياته على أساسه" (بتصرف).



    فلسفة وأهداف التربية في الكويت

    للتربية مصادر ومقومات تعتبر البنية التحتية للبناء التعليمي بشقيه المادي والثقافي. هذه المقومات تكمن خلف مظاهر السلوك البشري بصورة مباشرة أو غير مباشرة ومنها تصاغ الدساتير ومنها نستقي المواثيق ونشتق الأهداف التي تحكم سياسات الإنتاج في المجالات المختلفة. تمثل فلسفة التربية في نهاية المطاف حصيلة روافد شتى تشرح مبادئ وأساليب وأهداف كل مجتمع حسب خصوصياته التاريخية، وأوضاعه السياسية، وثوابته الدينية، ومسيرته الاقتصادية.

    "ينص دستور دولة الكويت في شأن التعليم على ما يلي:

    رعاية النشء مسئولية الدولة.

    التعليم ركن أساسي لتقدم المجتمع تكفله الدولة وترعاه.

    التعليم حق للكويتيين وطلبه واجب عليهم في مراحله الأولى.

    وبما أن الإطار الفلسفي للمجتمع لا يخرج عنه الإطار الفلسفي للتربية، ففلسفة التربية في الكويت وفقا لهذا المفهوم تستند إلى مجموعة من الثوابت يجب أن يلتقي حولها الجميع وهي:

    الكويت مجتمع عربي إسلامي.

    الكويت مجتمع الأسرة الواحدة.

    والكويت حرصت على الانفتاح على حركة العالم.

    والكويت في سعيها لبناء مجتمعها واستثمار موارده لتحقيق التنمية والرخاء لأبنائها تدرك أن الإنسان هدف التنمية وصانعها، وأن تقدم هذا المجتمع مرهون بمقدرته على توفير تعليم وتدريب مستمر يوفر الفرص للوصول إلى أقصى ما تسمح به قدراته.. فالالتحام بين التربية والتنمية ومطالبها هو للكويت شريان الحياة. "[1].

    تتميز الكويت بأنها أسرة واحدة صغيرة ومتكاتفة في السراء والضراء قديماً وحديثاً. "إن الكويت ومازالت منذ ظهرت على هذا الكوكب كريمة،لم يُعرف في تاريخها أن أحداً" ترك جاره جائعاً مُحتاجاً (النوري، ص 8). ولقد رابطنا في الكويت أثناء الغزو العراقي فكانت هذه الأرض أيضاً كريمة فلم نعرف جائعاً بخل جيرانه عليه، وهذا من فضل الله وحده. قال تعالى "كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ{15}" (سورة سبأ).

    وبما أن فلسفة التربية هي التي تحدد الأهداف فإن الهدف العام للتربية في دولة الكويت هو "تهيئة الفرص المناسبة لمساعدة الأفراد على النمو الشامل المتكامل روحياً وخلقياً وفكرياً واجتماعياً وجسمياً إلى أقصى ما تسمح به استعداداتهم وإمكاناتهم في ضوء طبيعة المجتمع الكويتي وفلسفته وآماله وفي ضوء مبادئ الإسلام والتراث العربي والثقافة المعاصرة بما يكفل التوازن بين تحقيق الأفراد لذواتهم وإعدادهم للمشاركة البناءة في تقدم المجتمع الكويتي بخاصة والمجتمع العربي والعالمي عامة" (وزارة التربية 1976م، ص20).

    أهداف التربية مرآة صادقة تعكس الفلسفة أو العقيدة التربوية للمجتمع. ولأن التربية عملية مستديمة ومتجددة فإن الأهداف العامة للتربية في الكويت لم تسلم من النقد وأهم الملاحظات الموجهة لها قد تتمثل في النقاط التالية:

    أن الأهداف العامة منذ كتابتها في الربع الأخير من القرن الماضي لم يتم تطويرها بحسب ما استجد من متغيرات على الساحة الكويتية والعالمية. العولمة تمثل تحديا جديا ومن مقتضيات المنطق تهيئة الأجيال لمواجهة التغيرات الهامة. تتغير الأهداف بتغير والأزمنة والظروف وأهدافنا وضعت دون مراعاة للتغيرات التي استجدت تكنولوجيا وثقافيا واقتصاديا.

    تفتقر إلى التخصيص والتحديد والرؤية الواضحة للتنفيذ.

    ضعف في استشراف المستقبل ومواجهة تحدياته وتعيين تطلعاته.

    ضعف في إبراز الأصالة كما هي ماثلة في الإسلام وفي العروبة وفي متضمناتها التربوية (جمعية المعلمين، 2000 م، ص 24، 70، 71).

    بعض دول العالم تضع قضية تفعيل دور المرأة من ضرورات الدساتير التربوية فكلمات مثل "المرأة على وجه الخصوص" "especially women" لا تغيب عن أذهان قادة الفكر التربوي أثناء وضع الأهداف القومية "National Education Goals"[2]. وفي الأصول الاجتماعية سنذكر ضرورة صياغة أهداف ومناهج تربوية لتفعيل دور المرأة في المجتمع.

    "لا تخلو من ثنائيات أهداف متناقضة إذ ينص الهدف الثاني على ما يأتي "تعريف المتعلمين بالتراث العربي الإسلامي والعادات والتقاليد الاجتماعية والعمل على دعمها" وينص الهدف السابع على ما يأتي: "إعداد أفراد قادرين على تحمل مسؤولية التغيير والتطوير ورفض كل مظاهر التخلف والجمود". كيف نوفق إذاً بين "دعم العادات والتقاليد" هكذا على الإطلاق وفيها الردئ والجيد، الفاسد والصالح[3] ... وبين "رفض كل مظاهر التخلف والجمود" و"تحمل مسئولية التغيير والتطوير" ولو أخذنا بالسابع هدمنا الثاني ولو تمسكنا بالثاني عطلنا السابع وجمدنا مفعوله؟

    وقد يكون الحل بسيطاً للغاية بحيث لا يستدعي أكثر من إضافة الإيجابية أو الصالحة" إلى جملة "العادات والتقاليد، على ألا يقتصر التوفيق بين الثقافتين أو الموقفين على مجرد مصالحة لفظية شكلية، إن التوفيق منهج عقلي ثقافي وتصحيح اتجاه قيمي نفساني" (قمبر، 2001 م، ص 118).

  2. #2
    عضو مشارك
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    طرابلس
    العمر
    34
    المشاركات
    2,833

    افتراضي

    شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

  3. #3
    عضو مشارك
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    العمر
    27
    المشاركات
    4,498

    افتراضي

    شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

  4. #4
    عضو وفي
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    الدولة
    ليبيا,,نفديــك,, بروحــي
    المشاركات
    529

    افتراضي

    موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. القراءة والكرامة
    بواسطة المشرف العام في المنتدى منتدى المساهمات الفكرية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 13-04-2010, 07:50 AM
  2. الأصول الفنية فى صياغة المذكرات القانونية
    بواسطة ابراهيم المحامى في المنتدى فن البحث العلمي والقانوني
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 14-11-2009, 07:31 PM
  3. عسر القراءة - الديسليكسيا
    بواسطة القاضى في المنتدى منتدى طبي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 14-03-2009, 02:47 PM
  4. أجعل ..اجعلي.. حياتك كتاباً يستحق القراءة"
    بواسطة نداء القانون Law Call في المنتدى عرض كتاب
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 13-01-2009, 07:44 AM
  5. معاني تستحق القراءة
    بواسطة نداء القانون Law Call في المنتدى اسهامات ثقافية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 15-12-2008, 07:54 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 
 
جميع الحقوق محفوظة © 2007 - 2013, موقع القانون الليبي.