المبحث الأول:- تعريف استخدام القوة وتطورها التاريخي

المطلب الأول:- تعريف استخدام القوة في ظل عصبة الأمم والأمم المتحدة

أولا:- استخدام القوة في ظل عصبة الأمم

أُسست عصبة الأمم في سنة 1919 ف حيت أُعلن عهدها في يناير من ذلك العام ولقد ورد العهد في معاهدة فرساي لعام 1919 ف والتي أنهت الحرب العالمية الأولي ولكننا هنا لسنا بصدد استعراض تاريخ نشأت عصبة الأمم ولكن عرجنا عليها للتعريف بها فقط والذي يهمنا هو ما تضمنته لمعالجة استخدام القوة_ وهو موضوع بحتنا . وبهذا علينا استعراض ديباجة عصبة الأمم والتي جاء فيها مايلي :- (( إن الأطراف المتعاقد السامية رغبة منها في تنمية التعاون الدولي وضمان السلام والأمن الدوليين وما يفرطه دلك من التزامات بعدم الالتجاء إلى الحرب وإقامة علاقات علنية وعادلة وشريفة بين الأمم بالإرساء الراسخ لتفهم القانون بوصفة قاعدة للسلوك المتبعة في الوقت الحاضر بين الحكومات والمحافظة على العدل واحترام الالتزامات التعاهدية احتراما تاما في معاملات الشعوب المنظمة الواحدة بالأخرى وافق على عهد عصبة الأمم هذا )).

هكذا من ديباجة عصبة الأمم تتجلى وتضح لنا أهداف عصبة الأمم وهى :-

1- قبول والتزام بعدم اللجوء إلى الحرب.

2- إقامة علاقات ودية ومشرفة بين الأمم .

3- ترسيخ مفاهيم القانون الدولي بوصفة قاعدة للسلوك الفعلية بين الأمم .

4- الحفاظ على العدل واحترام جميع الالتزامات الناشئة عن المعاهدات في المعاملات بين شعوب المنظمة. وبعد معرفة أهداف عصبة الأمم سوف نركز على دراسة النقطتين الأولى والثانية من أهداف العصبة لعلاقتهما ببحتنا وذلك من خلال دراستهما عن طريق العوامل التي استندت عليها عصبة الأمم لمعاجلة استخدام القوة.

وقد عالجت عصبة الأمم استخدام القوة من خلال ثلاث عوامل وهي:-

أ_الضمان المتبادل لاستقلال الدول ووحدتها الإقليمية.(( المادة 10)). تضمنت هذه المادة تعاهدا من الأعضاء باحترام وصيانة الوحدة الإقليمية والاستقلال السياسي لجميع الدول والأعضاء ضد العدوان الخارجي وفى حالة وقوع هدا العدوان أو التهديد به كان على المجلس تقديم مقترح بصدد الوسائل المتبعة من أجل تنفيذ هدا الالتزام.

ب_حل المنازعات الدولية سلميا .((المواد 11_ 15)). احتوت نصوص عصبة الأمم على خطة لتسوية المنازعات سليما . فتعهدت الدول بعدم اللجوء إلى تسوية النزاعات الدولية وأيضا تعهدت باللجوء إلى التحكيم أو التسوية القضائية أو التحقيق من قبل المجلس إذا فشلت هده الوسائل فإنه لا يجوز للأطراف اللجوء للحرب إلا بعد ثلاث أشهر من صدور قرار التحكيم أو القضاء ولقد نصت على ذلك المادة 12 و 13 وحددت محكمة العدل الدولية أو أي محكمة أخرى لتسوية النزاع أما ادا ارتكبت احد الدول عملا حربيا ضد أي دوله من دول العصبة دون إتباع الإجراءات فان هدا يعد حربا على كافة دول المنظمة ومن هدا يتضح أن الأفكار الأساسية التي جاءت بها عصبة الأمم هي :-

1_ عدم تحريم الحرب تحريما تاما .

2_أصبحت الحرب بموجب عهد عصبة أمرا يهم المجتمع الدولي بأجمعه .

3_ التفرقة بين الحرب المشروعة والغير مشروعة لأول مرة في القانون الدولي .

4_تعهد الدول بإتباع الوسائل السلمية لحل المنازعات .

جـ _ فرض بعض العقوبات على الدول في حالة عدم التزامها بالحلول السلمية .((المادة 16 من العهد )) إن العقوبات التي تفرضها عصبة الأمم هي الإجراءات الاقتصادية والعسكرية وغايتها في دلك تنفيذ التزامات عصبة الأمم في المحافظة على الأمن والسلم وحل المنازعات بطريقة سلمية كان تهدد بتطبيق العقوبات الواردة في نص المادة 16 وهذا يجبر الدول على إنهاء نزاعاتها بدلا من التعرض للعقوبات. _وفي مشروع ميثاق المساعدة المتبادلة التي تبنته جمعية عصبة الأمم في عام 1929 ف (ولم يتم إقراره ) جاء ما يلي(تعلن الأطراف السامية المتعاقدة , في صراحة ووضوح , أن الحرب العدوان جريمة دولية ، ويتعد كل منهم من ناحيته بالأ يقترف هذه الجريمة )). وأيضا في ميثاق باريس الصادر في 27/8/1928 ف رغم بعض القصور في نصوصه، يتضمن حظر الحرب العدوانية، وكانت المادة الأولي من الميثاق تنص على الأتي( الأطراف السامية المتعاقدة، باسم شعوبها، أنها تدين الالتجاء إلى الحرب لتسوية المنازعات الدولية وتمتنع عن استخدامها كأداء للسياسة الوطنية في علاقاتها التبادلية )) وتنص المادة الثانية على التزام الأطراف ((بغض المنازعات بالوسائل السليمة )). وقد تطور مبدأ عدم الاعتداء بعد هذا في لوائح المحاكم الدولية في نورمبرج وطوكيو ،التي تستند إلي القانون الدولي لا يحرم الحرب العدوانية فحسب وإنما يحرم أيضا الاستعدادات التي تجري من أجل شنها.

ثانيا :- استخدام القوة في طل الأمم المتحدة

بعد انهيار عصبة الأمم ونشوب الحرب العالمية الثانية نتيجة للثغرات التي كانت فيها وبعد طهور فكرة لإنشاء منظمة عالمية جديدة تقوم على مبدأ المساواة لصيانة السلم وحفظ الأمن الدوليين طهرت في 26/يونيو/ 1945 ف منظمة سمية باسم منظمة ((الأمم المتحدة )) والتي جاءت بالعديد من المبادئ في ديباجتها وميثاقها حيت نصت عليها بقولها ((……… وان نكفل بقبولنا مبادئ معينة ورسم الخطط الأزمة لها، الأ تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة .............)). وأيضا من أهم مبادئها التي نصت عليها في المادة 2 فقرة 4 وهو مبدأ عن الامتناع عن التهديد باستخدام القوة واستخدامها ضد الدول ونصت عليها بقولها ((..............4- يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاته الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي والاستقلال السياسي بأي دولة أو على إلى وجه أخر لايتفق ومقاصد ((الأمم المتحدة)).............)). وبهذا لم يحدد نص المادة ما إذا كانت القوة التي تشير إليها هي القوة المسلحة أو أي نوع أخر ولكن بعض فقهاء القانون الدولي يرو بان القوة هي القوة المسلحة فقط باعتبار إن تطبيق هده القوة واستخدامها إنما يتم بواسطة حرب عدوانية أو هجوم مسلح أو عدوان ترتكبه الدول باستخدام قواتها المسلحة أو جماعات منظمة تابعة لها أو مسندة من قبلها واستندوا في ذلك بالرجوع إلى عبارة ((القوة المسلحة )) الواردة في ديباجة الميثاق ويري رأى أخر من فقهاء القانون الدولي وعلى رأسهم الفقيه كلسن بان القوة لاتقتصر على القوة المسلحة فقط بل أنها يمكن أن تتوسع وتشمل الضغط الاقتصادي أو النفسي أو أي أعمال أخرى يبررون رأيهم بان الإكراه السياسي والاقتصادي قد يكون تهديدا للاستقلال السياسي للدول وانه يعادل في خطره التهديد العسكري . وهناك رأى ثالث يميل قليلا إلى الرأي الذي أخد به الفقيه كلسن حيت أنهم يقولون باستخدام الإكراه بدرجة تكفي لتقييد حرية الدولة ولكن ليس للتأثير على أمنها القومي. وفى ميثاق الأمم المتحدة طهرت مرحلة جديدة وهامة في تطوير مبدأ عدم استخدام القوة فالميثاق لايكفى بتحريم استخدام القوة فقط وإنما أيضا يحرم بالتهديد باستعمالها أو استخدامها ((ضد سلامة الأراضي أو الإستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه أخر لايتفق ومقاصد الأمم المتحدة )) . وتضمن الميثاق في الوقت نفسه حلولا بدلا من استخدام القوة وهى الوسائل السلمية وهدا ما نصت علية المادة 2 فقرة 3 وجاء فيها مايلي ((...............3- يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لايجعل السلم والعدل الدولي عرضة للخطر............)). ومع ذلك فمازالت في الميثاق بعض المواد التي تبيح استخدام القوة وهى المواد ( 42 و 39 إلي 50 و106) إذ تجيز هده المواد استخدام القوة من قبل المنظمة نفسها (والمادة 53)والتي تجيز استخدام القوة من قبل المنظمات الإقليمية (والمادة 51) والتي تجيز استخدام القوة من قبل الدول المنفردة في حالة الدفاع عن النفس وقد أوردنا هذه الحالات في نقطتين:- الأولي : الإجراءات الجماعية التي تتخذ بقرار من مجلس الأمن لمنع واستبعاد أي تهديد للسلام وإدانة أعمال العدوان وغيرها من ضروب الاعتداء على السلم الثانية : فيما يتعلق باستخدام دولة م للقوة ضد دولة أخرى وفقا لمبدأ الدفاع الشرعي ، الفردي والجماعي ((إذا كان هناك اعتداء مسلح )) وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلام والأمن الدوليين وهذا مانصت علية(المادة 51).

وكان للجمعية العامة كلمة في استخدام القوة حيت أنها نصت في المادة الأولى من الميثاق الصادر عن (( اللجنة الخاصة بمسالة تعريف العدوان )) التي سلكتها الجمعية العامة في نهاية 1967 ف حيت أن نص المادة لم يختلف إلى درجة كبيرة عن مضمون نص المادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة والدي يحرم على أعضائها التهديد باستخدام القوة حيت انه لم يتطرق إلى مبدأ التهديد الفعلي للقوة ولايعني تجويزه وإباحته ولكن أوردته بعبارة أخري حيت قال ((................بأسلوب أخر يتناقض وميثاق الأمم المتحدة..........)) لضمان تحريم (( التهديد )) بوصفة توطئة للاستخدام الفعلي للقوة ولكن في حقيقة الأمر إن التهديد باستخدام القوة كثيرا ما يأتي بنفس النتائج التي يأتي بها الاستخدام الفعلي للقوة المسلحة

وحيت أنها عرفت القوة على أنها ((استخدام القوة المسلحة مع وجود عدة أنواع أخري من استخدام القوة منها الاقتصادية والنفسية والسياسية..............الخ )). وأيضا جاءت موجة إلى كافة الدول صراحة على عكس الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة والتي جاءت موجة إلى أعضاء الأمم المتحدة فقط. وفي ميثاق الأمم المتحدة ظهرت مرحلة جديدة وهامة في مجال تطوير مبدأ عدم الإعتداء . فالميثاق لايكتفي بتحريم الحرب العدوانية ،وإنما يحرم أيضا التهديد باستعمال القوة أو إستخدامها (ضد سلامة الأراضي أو الإستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه أخر لايتفق ومقاصد الأمم المتحدة). وفي نهاية الأمر إن تحريم استخدام القوة والتهديد بها كان خطوة رائدة في طريق تحويل منظمة الأمم المتحدة إلى وسيلة اشد فاعلية في دعم السلام والأمن الدوليين وتتوقف قوة وضعف المنظمة على الدور التي تتكفل بأدائه في سبيل صيانة السلام والأمن الدوليين وتنمية التفاهم والتعاون بين الدول .

المطلب الثاني:- التطور التاريخي لاستخدام القوة

أولا: التطور التاريخي في الحضارات القديمة

تبين دراسة الوثائق والكتب التاريخية القديمة إن المجتمعات القديمة ومهما وصلت إليه من تطور حضاري فإنها كانت غالبا تلجأ إلى أسباب العنف واستخدام القوة لأسباب بسيطة جدا وان من أهم أسباب نشوب هدا الصراع والتنازع هو غياب الاتصال بين هده المجتمعات واختلاف التطور الثقافي والفكري بينهما وأيضا من اجل التجارة وموارد المياه والموارد الأخرى والتي كانت تستبيح كل ما يملكه الجانب المهزوم ولكن في ظل غياب القانون وطهور الفوضى لم يترك المجتمع القديم استخدام القوة دون تنظيم . ولعل أول معاهدة عقدة من اجل تنظيم استخدم القوة كانت بين مدينة ((لكش))في جنوب العراق وبين دويلة ((أوما)) المجاورة لها ، والتي كانت في أواسط الألف الثالث قبل الميلاد حيت عقدة هده المعاهدة بينهما لحل مشاكل تثبيت الحدود بواسطة المساعي التي قام بها الملك (ميسلم) ملك دولة كيش والذي توسط بين الدولتين ووضع حلا للنزاع وذلك بوضع مسلمة حجرية على حدود الدولتين . أما في الشرق الأقصى وتحديدا في الصين وفى عصر دولة شونشو (722_481 ق م ) أصبح لاستخدام القوة معني قانوني إذا لايمكن أن تكون مشروعة إلا إذا قامت بين دولتين متساويتين من ناحية القوة والمنزلة وليس بين دويلات أو مقاطعات صغيرة محمية وبين دول كبري ولا تعتبر مشروعة أيضا إذا كانت بين الدول الصينية والبرابرة . أما في العهد الروماني فقد كان مفهومهم يتحدد بالمشروعية الشكلية أي عن طريق حرب عادلة (( الحرب التي تبدأ بموجب قوانين وتحطي بموافقة الحكماء)). وبعد اتساع نطاق الدولة الرومانية وأصبحت مترامية الأطراف ويمكن أن يقال أنها جسدت في ذلك الوقت مفهوم الدول العالمية فقد تحقق فيها ما يعرف بالسلام الروماني وطهر ذلك في فترة حكم الإمبراطور انتونن ولم يكن هدا السلام مبني على معاهدات ولا اتفاقيات بل كان عن طريق أساليب السيطرة الإجبار والخضوع والقهر هذا بالنسبة لعلاقاتها الداخلية . أما في علاقاتها الخارجية فكانت منظمة وفق اتفاقيات ومعاهدات ولقد وضع الرومان قواعد للحرب والصلح وكانت الحرب لاتعلن إلا للأسباب الآتية : 1- إخلال بالمعاهدة.

2- الإعتداء على السفراء.

3- انتهاك حرمة الأراضي الرومانية.

4- مساعدة أحد أعداء روما عندما تكون في حرب معه. وكانت الحرب لا تنتهي إلا بمعاهدة صلح أو استسلام الطرف الآخر.

ثانيا: في الديانة الإسلامية :-

يعتبر في حقيقة الأمر أن الإسلام دين تسامح ويؤيد هذا اسمه ومبادئه ومن هذه المبادئ قوله تعالي { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. وقال تعالى أيضا {وََتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }. وإذا كان الإسلام دين تسامح وسلام لا يعنى هذا أن الإسلام لا يعرف الحرب ولا ينظمها بل على العكس فإن الدين الإسلامي ينظم استخدام القوة أفضل من القوانين الوضعية من حيت معاملة الأسرى والجرحى ولم يصل لها القانون الوضعي إلا في اتفاقية جنيف سنة 1864ف بشأن معاملة الجرحى والأسري ولقد جاء الإسلام بفكرة أن الحروب لاتكون بين الشعوب كما في السابق بل تكون بين مقاتلين وهذاالشئ جنب الأطفال والشيوخ والنساء ويلات الحرب . وأن أسباب استخدام القوة في الإسلام لاتكون بدافع الإعتداء أوإكراه الناس لدخول الإسلام بل كانت لرد الإعتداء والدليل على ذلك قوله تعالي { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }. وأن الإسلام لم يأمر بالقتال في أول بادرة بل يحث على استخدام الطرق السليمة قبل اللجوء إلي الحرب وقال تعالى { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ }. وقال تعالى { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ، فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ، }. وإن من أساليب ومبادئ القتال في العهد الإسلامي وحيت لايبدأ القتال إلا بعد تخيير المقاتلين بين ثلاث وهي إما الإسلام أو العهد أو الحرب

ومبدأ المسلمون علي هذا النهج في فتوحاتهم حتى أصبح قاعدة ملزمة وأيضا منع الإسلام قتل رجال الدين والشيوخ والنساء والأطفال والعمال ومنع التخريب وقطع الأشجار والهدم وأمر بمعاملة المثل مع التقوى واحترام الإنسانية حيت لا يصبح قتالا وحشيا يخرج عن معاني الإنسانية.

وبهده المبادئ سبق الإسلام العام المعاصر بما يقارب عن أربعة عشر قرنا علي تنظيم استخدام القوة في أكمل وجه وإن انتهاء القتال في الإسلام عادة ما يكون عن طريق معاهدة أو اتفاقية يتفق فيها الطرفان بوقف الحرب والقتال.

ثالثا:تطور استخدام القوة في العصور الوسطى وحتى القرن العشرين ميلادي:-
بعد تطور المجتمعات طهرت ما يسمي بالحرب العادلة وكانت نتيجة لأفكار الكتاب والعلماء المسيحيين ورجال الكنيسة والتي كانت تحرم الحروب حيت أنها كانت في مفهومها مبنية على إيقاع العقاب العادل بالمعتدى ومن يلجأ إلى الحرب العادلة لا يرتكب إثما وإضافة إلى أنها تسعي إلى ضمان السلام وحماية المظلومين ومن أجل أن تكون الحرب عادلة اشترط فيها ما يلي:- 1- يكون هدفها الانتقام من الظلم.

2- تكون هنا ضرورة ملحة لإعلانها .

3- تكون ضد الدول التي تهمل معاقبة مواطنيها المخطئين بحق دولة أخري وان الحرب ينبغي أن تكون مبنية على العدالة ومصلحة الجماعة.

ولقد كان لهده الفكرة تأثير قوي على أوروبا قبل العصر الذي سادت فيه فكرة توازن القوي وإدخال عنصر سيطرة وتحديد على الحرب لأنهم رأوا أن الحر ب العادلة والسلام العادل هما وجهان لعملة واحدة . وهدا أدي إلى طهور ما يسمي بفكرة الرد بالمثل والعلاج الجوابي بوسائل العنف والتي تقول أنه لابد إن يكون سبب عادل لنشوء استخدام القوة وان تعلن من أعلي سلطة فعلية وتطورت هده الفكرة حيث قال بها العديد من الفقهاء وطورها إلى أن الحرب لا تكون مشروعة أو عادلة إلا بعد إصدار تحذير ملائم ولا يوجد طريقة لاسترداد الحق إلا الحرب وأن حق إعلانها لا ينبغي أن يكون حكراً علي الإمبراطور بل ينبغي أن يعطي إلى كل رؤساء الدول علي أن تكون قد أعلنت الحرب للدفاع عن حق مشروع أو لاسترداد حق مغصوب. وبعد التلاشي التدريجي لفكرة الكنيسة في أوروبا ومجيئي عصر الدول القومية بدأ مفهوم الحرب العادلة في التغير حيت ظهرت فكرة اعتبار أن الحرب عنصر مهم من عناصر سيادة الدولة وغايتها إزالة العدوان وأنها لابد أن تكون عادلة ولكن في حقيقة الأمر لم تكن لها علاقة بالعدالة بل كانت من السياسة والمساواة وهكذا فإن الحرب لا تشن إلا اعتقاد على أنها عادلة ونلاحظ في نهاية الأمر أن القيود التي وضعت لإعلان الحرب أو مباشرتها لم تكن قيودا مؤثرة. ولكن أرادوا أن يعيدوا مفهوم الحرب العادلة باعتبارها وسيلة للسيطرة على استخدام القوة وذلك بعزل الأسباب الدينية عن الأسباب الإعتقادية فبينما أن الأسباب العادلة للحرب هي معاقبة المعتدى على مواطني الدولة والدفاع عن النفس وحماية الممتلكات وأما الأسباب الغير عادلة هي التوسع الإقليمي وإخضاع الشعوب الأخرى و رغبة دولة ما في الاستقلال و الانفصال عن دولة أخري ، وتحديد أين يكمن السبب العادل هو الذي ساعد على انتشار الحرب في تلك الفترة . وبعد انتهاء فكرة الحرب العادلة وبعد أن عقدت الدول الأوروبية معاهدو وستفاليا سنة 1648 ف وبها انتهت الحرب الدينية في أوروبا والتي أصبحت بموجبها تنظيم العلاقات بين الدول الأوروبية وكانت غايتها إنشاء نظام سلمي مستقر يأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي في أوروبا الذي كان يمثل توازن للقوة بين مختلف مجاميع الدول , ولقد بقي هدا النظام قائم وتم التخلي على فكرة الحرب العادلة إبدالها بفكرة ما يسمى أن الحرب ضرورة واقعية لسيادة الدول وفي وقت طهور هده الفكرة تعهدت الدول بالمحافظة على التزاماتها واحترام المعاهدات التي تعقدها والامتناع عن التوسع الإقليمي والتدخل في شؤون الدول الأخرى وعدم اختراق سيادتها واللجوء بدلا من ذلك إلى الوسائل السلمية لحل منازعاتها وبعد أن اعتبرت الحرب مسألة واقعية ومتعلقة بالقانون الوضعي بغض النظر عن كيفيتها واعتبروها الحرب عادلة بالنسبة لكلا الطرفين لعدم وجود سلطة عليا فوق الدول وهكذا اعتبروا الحرب إحدى وسائل حل المنازعات الدولية . وأما في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر وفي ظل هده الفترة أعطي الحق لأي دولة اللجوء إلى الحرب استنادا إلى أنها دولة ذات سيادة وكما يجيز لها احتلال أي إقليم في طل نظام توازن القوي, ولقد وجدت الدول انه من السهل عليها تحقيق غايتها إذا ما تخلت عن التمسك بفكرة المشروعية وهدا أدي إلى طهور فكرة ألاَّ مشروعية في الحرب من قبل الدول في سبيل الحفاظ على أمنها والحصول على أراضي جديدة ولكن دلك لم يمنع الدول من التمسك الشكلي بالحر العادلة والادعاء بعدالة الأسباب المؤدية للحرب في سبيل تضمين الدول الأخرى وضمان عدم تدخلها في الحروب بجانب الأعداء وبهذا نري أن الحروب أصبحت مشروعة ويمكن للدول اللجوء إليها . وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين طهرت أفكار تدعو إلى اعتبار أن الحرب أخر وسيلة تلجأ إليها الدول لنيل حقوقها وأخذت الدول تبدل اهتماما متزايدا إلى تبرير لجوئها للاستخدام القوة لأن الرأي العام أصبح قوة يحسب لها حسابها وانتشار الثقافة والأفكار التحررية وبعد التضييق على استخدام القوة لجأت الدول إلى طرق أخري اعنف من الحرب و لايمكن أن تعتبر حربا مثل الإكراه والانتقام والحصر السلمي وبعض أنواع التدخل والمقابلة المثل,وأيضا يوجد أنواع أخري لاتعتبر حربا مثل الدفاع عن النفس والعدوان المبيت وحماية الذات من استخدام القوة . وأما في التسعينات من القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة بدأ اتخاذ الإجراءات الغير عسكرية والعسكرية باستخدام القوة عن طريق الأمم المتحدة ويمارس مجلس الأمن هذه السلطات لإعادة السلم والأمن الدوليين إلى نصابهما سواء بطريق مباشر أو عن طريق تفويض الأمر إلى دولة معينة .

المبحث الثاني :- مشروعية استخدام القوة في القانون الدولي وتطبيقات عنها

المطلب الأول :- مدي مشروعية استخدام القوة في ظل القانون الدولي

اعتبر أغلب الفقهاء أن استخدام القوة مشروعة في حالات معينة وهي الدفاع عن النفس بقصد دفع اعتداء العدو عن البلاد أو لحماية وصيانة حق ثابت يتعلق بمصالح لدولة الحيوية .
وينبني على هدا المفهوم مشروعية استخدام القوة في الحروب التحريرية التي تخوضها الشعوب لاستعادة حريتها من المستعمرين والغزاة الدين يستوطنون أراضيها ويشردون أهلها ومثال على ذلك ((نضال الشعب الفلسطيني منذ عام 1948ف ضد الغزاة الصهاينة ،ونضال شعب ناميبيا منذ عام 1915 ف ضد قوات الغزو من جنوب أفريقيا )). كما اعتبر اغلب الفقهاء أن استخدام القوة في الحرب غير مشروعة إذا كانت أهدافها غير إنسانية مثال رغبة في التوسع الاستيطاني على حساب وإرادة شعوب أخري أو مجرد حب في السيطرة وبسط النفوذ والفتح وفرض السطان على الغير واستعمار الشعوب): ( وهو نهج السياسة الأمريكية في العصر الحديث في أماكن متفرقة من العالم )). وعليه نشير بأن مفهوم استخدام القوة في الحرب إلى عهد قريب كان في نظر بعض الساسة عملا مشروعا دائما من حق الدولة القيام به كلما كانت مصالحها الحيوية تقتضي ذلك . وقد اعتبر أنصار هدا الرأي أن الالتجاء إلى استخدام القوة في الحروب قد يجر تقدم الأمم ورقي الشعوب وهده فكرة عبرت عنها ونادت بها ألمانيا النازية في عهد هتلر (فكرة المجال الحيوي ) ولا يخفي ما يتبع الأخذ بهذا الرأي من تأثيرات على قانون العدالة في المجتمع الدولي وما يترتب عليه من مآس وفوضي دولية قد تؤدي إلي استحالة استقرار الحياة واستتباب الأمن والسلام الدوليين . وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلي انه بعد الحرب العالميتين الأولي و الثانية التي تعرضت لها البشرية في الثلث الأول من القرن العشرين- بذلت مساع وجهود دولية عظيمة علي مستوي رسمي من خلال طهور بعض المنظمات الدولية وعقد بعض الاتفاقيات ( عصبة الأمم وبريان كيلوغ و ميثاق هيئة الأمم المتحدة ) وذلك لمنع الدول من اللجوء إلى استخدام القوة الفعلية إلا في الحالات القصوي المحدودة ، وقد تمثل نشاط عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولي في تحريمها النسبي لاستخدام القوة في الحروب ، وذلك بوضع قيودا لها و إحاطتها بشروط من شأنها أن تؤجل قيامها وتفتح مجالا واسعا للدول المحايدة والمحبة والسلام لبذل مساعيها لتجنب حدوث الحروب. وقد نص الميثاق العصبة علي ذلك صراحة في المادة 16 بقوله الحرب المشروعة تكون في حالتين :- 1_حالة الدفاع عن النفس . 2_حالة اللجوء الحرب من اجل نزاع سبق عرضه على مجلس العصبة ولم يصدر فيه قرار بإجماع الآراء وبعد مضي ثلاثة أشهر من صدور قرار الأغلبية .

ولكن اعتقاد بعض الدول بوجود نقص أو ضعف في ميثاق عصبة الأمم وذلك في سماحها باستخدام الحرب في بعض الحالات ، واستخدام مصطلح ( اللجوء إلى الحرب ) في المادتين 12 و 16 وكان مصطلح الحرب في دلك الوقت قد اصطبغ بطابع ذاتي سواء في ممارسات الدول أو في الفرارات الصادرة عن المحافل الدولية ، ولم تعتبر الحرب حالة قانونية مرتبطة بمظهر موضوعي بل اعتبرت حالة قانونية مبنية على إرادة دولة معينة . إن معني هدا كان عدم اعتبار حالات اللجوء لاستخدام القوة من قبل الدول ، أعمالا حربية تؤدي بالضرورة إلى إعلان حالة الحرب ، إلا إذا أعلنت الدول المعنية عن نيتها في اعتبارها حربا . فلم يكن لمصطلح الحرب المستخدم في عهد العصبة ، نفس المعني لدي كل الدول الأعضاء ، بل أن كل منها كانت تفسره بموجب معيارها الذاتي فنري على سبيل المثال أن الحرب التي اندلعت بين اليابان والصين من سنة 1937- 1941 ف اتفقت مصالح كل من الدولتين ، والأطراف الأخرى بعدم إعلان قيام حالة الحرب بينهما أي أن الحرب لم يكن لها وجود من الناحية القانونية .
وان سبب ذلك قد يكون لتحقيق بعض المنافع السياسية أو لتجنب إحراج الطرف المعتدي عليه إذا ما أحجم الطرف المعتدي عن إعلان حالة الحرب أو الاعتراف بوجود حالة حرب بأي شكل أخر لان المعتدي عليه قد يظهر وكأنه هو الذي خرق نصوص العهد فيما إذا قام بإعلان الحرب على من اعتدي عليه أثناء دفاعه عن نفسه. ومن النواقص الأخرى في عصبة الأمم ما جاء في نص المادة 15 فقرة 7 إذ ترك لأعضاء العصبة اتخاذ ما يرونه مناسبا من الأعمال لصيانة السلام والعدالة . هذا يعني انه لم تتم إدانة جميع أشكال الحروب ، إلى جانب الغموض الواضح في الإشارة إلي السلام والعدالة حيت لم تحدد ماهيتها بالضبط . أما الالتزام بفرض عقوبات اقتصادية فكان يعتمد على تقدير ذاتي لكل عضو من الأعضاء ، بل تعدي ذلك إلى فرض العقوبات العسكرية حيث ترك إلي الأعضاء أيضا , وهدا أدي إلى عدم اتخاذ قرارات جماعية . ولم يتضمن العهد أي نص يلزم الأعضاء بتسوية نزاعاتهم عن طريق محكمة العدل ، هدا مما سمح لهم بخرق القانون الدولي دون التعرض للعقاب . وكل هذه الأسباب اضطرت عصبة الأمم إلى العمل على سد هذا النقص أو الضعف في ميثاق بريان كيلوغ بنصها على استبعاد الحرب إطلاقا كوسيلة لفض المنازعات الدولية إلا في حالات الدفاع عن النفس أو في الحرب التي تتغيأ عقاب دولة أخري أخلت بالتزاماتها المفروضة عليها . ولكن نظرا لعدم دولية هذا الميثاق باقتصار على أطراف المعاهدة أو الدول المنضمة إليه فيما بعد ، والتفسيرات المختلفة والغموض الواضح في تحديد معني الدفاع عن النفس. وهذه العيوب والنواقص اضطرت منظومة الأمم المتحدة إلى تلافي كل العيوب التي لحقت بميثاق العصبة واتفاق بريان كيلوغ وأعلنتها رسميا في نص المادة 2 فقرة 4 من الميثاق بقولها ((..............4- يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاته الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي والاستقلال السياسي بأي دولة أو على إلى وجه أخر لا يتفق ومقاصد ((الأمم المتحدة)).............)) ونبه نص المادة علي الخطر المطلق لاستخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية ، كما منحت مجلس الأمن صلاحيات واسعة أمنت له بموجبها حق التدخل في المنازعات الدولية ولاسيما التي تشكل خطر على الأمن والسلام الدوليين ، كما أجازت له توقيع العقاب على الدول المخالفة لمبادئ الميثاق ، ولتحقيق دلك زودته بالوسائل الكفيلة بإرغام الدول على احترام التزاماتها الدولية المنصوص عليها في الميثاق وهذا وقد أباحت هيئة الأمم الحرب المشروعة في حالة واحدة وفى مجال ضيق للغاية وهو حالة الدفاع عن النفس دفعا لاعتداء واقع عليها من الغير وهو ما نصت عليه المادة 51 من الميثاق (( ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء "الأمم المتحدة" وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس - بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق - من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه )) . والملاحظ أن هيئة الأمم المتحدة مازالت تبذل في الزمن الحاضر جهودها المتواصلة من أجل الحظر المطلق للحرب . ولعل اهتمامها بمشكلة نزع السلاح النووي في السنوات الأخيرة خير دليل على مصداقية المنظمة في إنهاء الحروب بين الدول كما أن مساعيها الرامية إلى تقريب وجهات النظر وضرورة منعها بكل الوسائل وتحريض المجتمع الدولي على وضع تقنين خاص دولي للحد من استخدام القوة – يؤكد كل ذلك اهتمام المجتمع الدولي بهذه المساءلة وخطر وقوعها وما يترتب عليها من كارثة علي الإنسانية .

المطلب الثاني :مشروعية حرب امريكا على العراق من منظور القانون الدولي

اذا أردنا الوقوف على حقيقة الازمة التي يمر بها العراق وابعادها من منظور القانون الدولي، لابد ان نسلط الضوء ولو بصورة موجزة عن مبدأ استخدام القوة المسلحة في العلاقات الدولية« بين الحظر والاباحة».

فعند نشوء اول منظمة دولية ذات طابع سياسي، متمثلة في عصبة الامم لم تكن الحرب قد حرمت بشكل قاطع ، اذ اكتفى عهد العصبة على منع الحرب في احوال خاصة وردت في المواد«12،13،15» منه. لذا اتهمت عصبة الامم بالضعف والقصور، لذا حاولت التخلص من العيوب التي لازمتها فأبرمت معاهدة« بريان كيلوج» في 17 آب« اغسطس» 1928م هذه المعاهدة جاءت بمبادئ اساسية حرمت الحرب واعتبرتها جريمة اجتماعية ضد الانسانية.

غير ان تلك المعاهدة لم تسلم هي ايضاً من القصور، كونها اباحت «الحرب الدفاعية» دون وضع ضوابط تنظمها. لذا تعددت التحفظات الواردة عليها، حتى تعذر وضعها موضع التنفيذ الفعلي ولم يتمكن من الحاقها بعهد العصبة، وبقيت الحرب وسيلة مشروعة في ظل عهد العصبة، حتى نشبت الحرب العالمية الثانية فقضت على العصبية وعلى عهدها.

وعند قيام منظمة الامم المتحدة عام 1945م ابتعد ميثاقها عن عهد العصبة في تحريم الحرب، اذ لم تعد الحرب وسيلة مشروعة يمكن ان تلجأ اليها الدول سواء لتحقيق مصالحها التوسعية او لفض منازعاتها الدولية، فنصت المادة «2/4» من ميثاق الامم المتحدة على انه« يمتنع اعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة او استخدامها ضد سلامة الاراضي او الاستغلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لايتفق مع مقاصد الامم المتحدة».

وعلى الرغم من ان ميثاق الامم المتحدة اقر المبدأ العام وهوحظر استخدام القوة المسلحة في العلاقات الدولية، الا انه اورد على هذا المبدأ استثناءات يجوز بموجبها استخدام القوة او التهديد بها، هذه الاستثناءات في حالة الدفاع الشرعي: وهي الحالة التي يجوز بمقتضاها للدولة ان تلجأ الى استخدام القوة المسلحة لدرء خطر الاعتداء الواقع عليها من دولة اخرى، وقد تم التأكيد على هذا الاستثناء في المادة« 51» من الميثاق عندما نصت على انه « ليس في هذا الميثاق مايضعف او ينقص الحق الطبيعي للدول فرادى او جماعات في الدفاع عن النفس، اذا ما اعتدت قوة مسلحة على احد اعضاء الامم المتحدة، وذلك الى ان يتخذ مجلس الامن التدابير اللازمة لحفظ السلم والامن الدولي» وفي حالة تطبيق اجراءات الامن الجماعي التي يقررها مجلس الامن وفقاً لنصوص الفصل السابع من الميثاق، هذه الاجراءات قد تصل الى حد استخدام مجلس الامن للقوة المسلحة ضد الدولة المعتدية التي تتمادى في العدوان.

وبتفحيص تام لنصوص واحكام ميثاق الامم المتحدة، وماجرى عليه العمل في الواقع الدولي نستطيع ان نجزم ان حق استخدام القوة المسلحة في العلاقات الدولية، وفقاً للمبدأ العام السابق، والاستثناءات التي ترد عليه، هو من اختصاص مجلس الامن وحده، بحسبان ان المجتمع الدولي قد القى على عاتق هذا المجلس -حصراً- التبعيات الرئيسية لحفظ السلم والأمن الدوليين، فالمادة 24/1» من الميثاق تنص على انه « رغبة في ان يكون العمل الذي تقوم به الامم المتحدة سريعاً وفعالاً يعهد اعضاء تلك الهيئة الى مجلس الامن بالتبعيات الرئيسية في امر حفظ السلم والامن الدولي، ويوافقون على ان هذا المجلس يعمل نائباً عنهم في قيامه بواجباته التي تفرضها عليه هذه التبعيات».

وعلى هذا الاساس تم تخويل مجلس الامن سلطات واسعة جرى النص عليها في المادة« 39» من الميثاق عندما نصت على ان « يقرر مجلس الامن ما اذا كان قد وقع تهديد للسلم او اخلال به، او كان ماوقع عملاً من اعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته او يقرر مايجب اتخاذه من التدابير طبقاً لاحكام المادتين «41،42» لحفظ السلم والامن الدولي او اعادته الى نصابه».

هذه الاحكام وغيرها تؤكد مانذهب اليه من ان مجلس الامن وحده المكلف بمسألة حفظ السلم، كما يعد صاحب الاختصاص المطلق في تكييف الحالات التي من شأنها ان تهدد السلم اوقوع عمل من اعمال العدوان ، علاوة على ان لهذا المجلس -حصراً -تحديد مايتخذ من اجراءات وتدابير لمعالجه كل حالة، فالمادة «42» من الميثاق منحت هذا المجلس ان يتخذ بطريق القوة الجوية والبحرية والبرية من الاعمال مايلزم لحفظ السلم والامن الدوليين. اما الوسائل التي يتعين عليه اتباعها للحصول على هذه القوات فقد اقرتها المادة« 43/1» من الميثاق بقولها :« يتعهد جميع اعضاء الامم المتحدة ، في سبيل المساهمة في حفظ السلم والامن الدولي ان يضعوا تحت تصرف مجلس الامن ، بناءً على طلبه او طبقاً لاتفاق او اتفاقيات خاصة مايلزم من القوة المسلحة.. » في حين قضت المادة «46» على ان «الخطط اللازمة لاستخدام القوة المسلحة يضعها مجلس الامن بمساعدة لجنة اركان الحرب».

ويلاحظ: ان مجلس الامن لم يلجأ الى استخدام سلطاته في اتخاذ التدابير العسكرية الا في حالتين، مع اختلاف هاتين الحالتين من الناحية العملية.

الحالة الاولى: ضد كوريا الشمالية وفقاً لقرار مجلس الامن الصادر بتاريخ 7 تموز « يوليو» 1950م في هذا القرار طلب من جميع الدول الاعضاء في الامم المتحدة تقديم قوة عسكرية لكي يتمكن من تشكيل جيش موحد لوقف اعتداء كوريا الشمالية، هذا القرار لم يعترف بشرعيته نظراً لصدوره في ظل غياب دولة دائمة العضوية في مجلس الامن وهي « الاتحاد السوفيتي» وبعد عودتها لم يتوصل المجلس الى قرار بسبب استخدام الفيتو، لذا قرر المجلس اسقاط هذه المسألة من جدول اعماله.

اما الحالةالثانية: فهي بصدد العراق، فقد صدر قرار مجلس الامن رقم 678 لسنة 1990، خول بموجبه الدول المتعاونة مع الكويت بان تستخدم كافة الوسائل الضرورية لدعم وتنفيذ قرار المجلس رقم 660 لسنة 1990م الذي طلب من العراق الانسحاب من الكويت.

وبالمقارنة بين الحالتين نجد ان مجلس الامن في حالة كوريا طلب من الدول الاعضاء تقديم قوة عسكرية لتشكيل جيش موحد يشرف عليه مباشرة لمواجهة عدوان كوريا الشمالية على كوريا الجنوبية. اما في حالة العراق نجد ان مجلس الامن قد ابتدع اسلوباًجديداً يقوم على تفويض سلطاته في استخدام القوة المسلحة الى بعض الدول، حتى تم تفويض هذه السلطات الى الولايات المتحدة الامريكية . هذا الاجراء يمثل انحرافاً في طريقة ممارسة مجلس الامن لسلطاته، ويتعارض مع المعنى العادي لنصوص الميثاق، هذا ما اكده الامين العام للامم المتحدة عندما قال« ان الاعمال العدوانية ضد العراق تجاوزت الحدود المأذون بها للدول التي شاركت في هذه العمليات وابتعدت عن الهدف المطلوب انجازه..».

وبمراجعة نصوص الميثاق المعنية ، لاسيما المواد من 43-48 التي بينت وسائل حصول مجلس الامن على القوات المسلحة التي تعمل تحت قيادته وتوجيهاته له. لم نجد اي نص يمنح هذا المجلس حق تفويض اية دولة لتعمل كنائب عنه في هذا الشأن..من خلال هذه المعطيات نعود للاجابة على التساؤل المثار: هل في قواعد القانون الدولي مايخول الولايات المتحدة الامريكية حق استخدام القوة ضد العراق او ضد اي بلد آخر، وبصورة تلقائية؟

اجابة هذا التساؤل تقتضي توضيح مدى صحة الذرائع التي تتحجج بها امريكا. ومحاولتها تطويع نصوص واحكام الميثاق وتوظيفها بما يتلاءم مع مصالحها واهدافها التوسعيه.

فهي تتذرع في استخدامها للقوة المسلحة او التلويح باستخدامها تجاه العراق بعدد من الحجج اهمها:

اولاً: ان العراق يهدد السلم والامن الدوليين بامتلاكه اسلحة دمار شامل.

ثانياً: ان استخدام القوة ضد العراق يأتي من قبيل صيانة الذات او حق الدفاع الشرعي.

ثالثاً: الاستناد الى فكرة الارهاب الدولي . وكون العراق راعياً للارهاب ومصدراً له.

هذه الحجج او تلك الذرائع يمكن مناقشتها وتفنيدها على النحو التالي:-

فيما يخص الذريعة الاولى ، وكون العراق، يمتلك اسلحة دمار شامل، وهو مايهدد السلم والامن الدوليين للخطر ممايبرر استخدام القوة المسلحة ضده ..لاحظنا مما سبق ان امر حفظ السلم هو من الاختصاص المانع لمجلس الامن اذ يمتلك وحده سلطة استخدام القوة من جانبه تحديداً، كذا سلطة الرقابة والاشراف، حيث لايوجد في ميثاق الامم المتحدة نص او حكم يمكن الاستناد عليه في الترخيص للغير باستخدام سلطات مجلس الامن في هذا الخصوص ، وان استخدام القوة في هذه الحالة لايمكن ان يستنتج استنتاجاً لخطورته.

وان استخدام القوة من جانب امريكا بالاستناد الى تخويل من مجلس الامن لايمكن استخلاصه، بل ان المادة «2/4» من الميثاق حرمت استخدام القوة في العلاقات الدولية بصورة قاطعة، وبالتالي فان الولايات المتحدة ليست معنية في امر حفظ السلم والأمن الدوليين بالاستناد على كون العراق يمتلك اسلحة دمار شامل.

وفيما يخص الذريعة الثانية، والاستناد على مبدأ صيانة الذات اوحق الدفاع الشرعي. اذ تدعي امريكا- لاسيما بعد احداث ايلول« سبتمبر»- ان العراق يشكل تهديداً مباشراً لها، وانه لايوجد مايمنع حق الدولة من الدفاع عن نفسها ضد العدوان الخارجي المتمثل بالعراق، فميثاق الامم المتحدة ووفقاً للمادة «51» منه اعترف بهذا الحق واقره بوصفه حقاً طبيعياً.

هذه الذريعة لايمكن الاحتجاج بها كمبرر لشن عدوان على العراق لاسباب عديدة لعل اهمها:

1- ان المادة« 51» من الميثاق تتطلب لقيام الحق في الدفاع الشرعي وقوع هجوم مسلح او التعرض لهذا الهجوم او كونه وشيك او حال الوقوع ومؤكد. هذا التفسير المنطقي لحالة الدفاع الشرعي.

2- يمثل حق الدفاع الشرعي استثناءً جوهرياً على مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، هذا الاستثناء يجب عدم التوسع في تفسيره او استخدامه، بل يتعين ان يتحدد ببدء العدوان المسلح، ولايسمح بأي عمل عسكري يتجاوز ماهو ضروري لرده، كما ان هذا الحق يجب ان ينتهي باتخاذ مجلس الامن التدابير اللازمة والتي يرى ضرورتها.

3- ان حق الدفاع الشرعي تعترضه مشكلة اساسية تتمثل في التناسب بين العدوان من جهة وبين الدفاع الشرعي من جهة اخرى. فالدفاع ماهو الا رد فعل لاستعمال القوة ضد ماقامت به دولة اخرى، وان تجاوز هذا الحق يعد من قبيل الانتقام او الأخذ بالثأر مما يشكل انتهاكاً صارخاً لقواعد الدفاع الشرعي..لهذه الاسباب وغيرها لايمكن للولايات المتحدة التمسك بحق صيانة الذات كمبرر لعدوانها على العراق، لسبب بسيط هو عدم ثبوت او توافر حالة الدفاع الشرعي. ذلك ان ممارسة هذا الحق ليست معايير محددة يمكن القياس عليها بقدر ماهي ضوابط عامة. فتذرع امريكا بهذا الحق في حالة العراق يرفع هذا الاستثناء الى مصاف القاعدة العامة، فأين الهجوم المسلح او التهديد به من قبل العراق، بحيث يهدد وجود امريكا كدولة اويهدد بقاء النظام السياسي فيها واستقراره.

ان ادعاء امريكا واجراءاتها في حشد القوات المسلحة في الخليج لتوجيه ضربة عسكرية للعراق كونه من قبيل صيانة الذات،بحيث لايمكن ان تنتظر الى حين استخدام العراق لاسلحة الدمارالشامل التي يمتلكها، وانما يتعين عليها ان تأخذ بقاعدة الاسبقية والرد على هذا العدوان قبل وقوعه.

في ظل هذا الوضع يمكن للولايات المتحدة ان تستخدم هذا الاستثناء في أي وقت وفي مواجهة أية دولة، وتحوله من مجرد استثناء الى قاعدة عامة في علاقاتها الدولية.

وفيما يخص الذريعة الثالثة:- وهي مقاومة الارهاب الدولي الذي يصدره العراق، فهذه الحجة لايمكن التعويل عليها او تصديقها كمبرر لاستخدام القوة، فبعد صدور اعلان الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 50/53 بتاريخ 9 كانون الاول « ديسمبر» 1994 المتعلق بالتدابير اللازمة والداعية الى القضاء على الارهاب الدولي، والتزام المجتمع الدولي بالقضاء على الارهاب وتأكيد هذا الاعلان بمناسبة مرور خمسين عاماً على انشاء الامم المتحدة -اي عام 1995م، وبعد احداث الحادي عشر من ايلول« سبتمبر» 2001م. نهضت امريكا واحتسبت نفسها عرضة وهدفاً للارهاب الدولي ومن ثم بدأت تستخدم هذا المصطلح وتلصقه في وجه كل دولة لاتتفق معها سياسياً او لتحقيق اهداف غير معلنة اوبهدفاً التدخل في الشؤون الداخلية للدول تحت ذريعة مقاومة الارهاب الدولي.

صحيح ان الارهاب الدولي يشكل في ذاته انتهاكاً عملياً ليس فقط للقواعد القانونية والشريعة العامة وانما للقواعد العرضية والدينية ايضاً ..ولكن كيف يمكن الصاق هذا العمل المحرم بالعراق اوبغيرها من الدول دون ان يكون هناك ادلة مادية قاطعة تؤكد ممارسة اوتنظيم هذه الدولة او تلك لهذه الجريمة..ان صعوبة وضع تعريف جامع مانع للارهاب الدولي وتداخله مع انماط مختلفة من الافعال، اصبح هو المبرر الذي تعتمد عليه الولايات المتحدة من اجل ممارسة التدخل في الشؤون الداخلية للدول بل واستخدام القوة المسلحة باسم مقاومة الارهاب الدولي.

ان ازدواج المعاملة في مجال الارهاب الدولي، قد يثير تعارضاً يتعلق بضرورة مقاومة الارهاب مع حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، كما هو حال نظرة الولايات المتحدة لاسرائيل من ناحية، وللدول العربية والاسلامية من ناحية اخرى..فكلما كانت هناك مصالح امريكية للتدخل في الشؤون الداخلية للدول كان الاساس اباحة استخدام القوة لمقاومة الارهاب الدولي. والعكس كلما ادين الكيان الصهيوني بالارهاب تنهض امريكا للدفاع عنه والتعرض لمبدأ احترام سيادة الدول وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية.

نخلص من ذلك إلى ان حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية بحسبانه محققاً لفكرة الامن الجماعي المنصوص عليها في الفصل السابع من الميثاق لم تتوافر له الشروط اللازمة للوصول الى الهدف المنشود، وهذا يعود بصفة اساسية لسيطرة الولايات المتحدة على مقدرات وقرارات مجلس الامن ،فالولايات المتحدة وجدت نفسها وقد اطلقت يدها لممارسة ماتشاء من عمليات دونما رقابة او اشراف من مجلس الامن بل انها رفضت وضع قواتها تحت اي اشراف دولي، مع خضوع مجلس الامن لهذه الهيمنة، وهو بذلك سيكون قد تخلى عن سلطاته في حفظ السلم والامن الدوليين، في حين كان المطلوب منه، بوصفه الجهاز المسؤول استبعاد الاعتبارات السياسية سواء عند قيامه بالمهام الموكلة اليه بها او بشأن مايصدره من قرارات.

حيث وان العديد من قراراته الصادرة تجاه العراق بمافيها القرار«1441» في حقيقتها ردود فعل خاضعة لضغط الولايات المتحدة، اكثر من كونها قرارات تستند الى تطبيق القانون الدولي، الامر الذي يؤدي الى فقدان منظمة الامم المتحدة لهيبتها ومكانتها في الاوساط الدولية، فاذا استمر الوضع على هذا الحال لاشك ان صرح الامم المتحدة في طريقه الى الزوال، وفتح الباب على مصراعيه للولايات المتحدة في تحقيق اهدافها التوسعية واستحواذها على مقدرات العالم.

ومن ثم يمكن القول بأننا نقف على اعتاب حكومة عالمية تديرها الولايات المتحدة الامريكية.



توصيات
1- ضرورة إنشاء قواعد قانونية دولية جديدة لمواجهة استخدام القوة
2- ضرورة العمل على تنمية التعاون الدولي لمكافحة استخدام القوة

3- ضرورة تحرك الدول العربية والإسلامية لتدفع عن نفسها خطر استخدام القوة ضدها التي تتخذ بزعم مكافحة الإرهاب الدولي