للإعلان في الموقع يرجى مراسلتنا من خلال البريد الإلكتروني info@lawoflibya.com
النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. #1
    المشرف العام
    Guest

    افتراضي النظام الإداري المحلي في ليبيا الجديدة


    دراسة معمقة
    النظام الإداري المحلي في ليبيا الجديدة
    ( نسخة مزيدة ومنقحة )

    أ. محمد حسن كاموكه
    عضو هيئة تدريس لمادة القانون الدستوري
    بكلية القانون / جامعة الزاوية










    المحتويات
    توطئة
    تمهيد
    أولا - العيوب المشتركة بين النظام الاتحادي ونظام المحافظات العشر بالنسبة إلى ليبيا
    ثانيًا – العيوب الخاصة بالنظام الاتحادي بالنسبة إلى ليبيا 
    ثالثا – العيوب الخاصة بنظام المحافظات بالنسبة إلى ليبيا
    رابعا – النظام الإداري المحلي الأمثل لليبيا 
    أ. عرض النظام الإداري المحلي المقترح 
    ب. فوائد التنظيم الإداري المحلي المقترح
    جـ. عيوب قد تذكر بشأن التنظيم الإداري المحلي المقترح

























    توطئة
    بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا . وبعد ،
    لقد عقدت العزم - بعد اندلاع ثورتنا المباركة بقليل - على أن أشرع في إعداد مشروع دستور عصري وديمقراطي ، يكون منارة يهتدي بها من يُكلَّف لاحِقًا - بعون الله وقدرته - لإعداد دستور ليبيا الجديدة . ولأن الدستور هو أعلى القوانين ، وبه يتحدد شكل الدولة ، وطبيعة نظامها السياسي ، والحقوق التي يتمتع بها مواطنوها وسكانها ، فتؤثر كل مادة من مواده في حياة الدولة والمواطن - فإن من العبث كتابة أية مادة أو فقرة فيه متصلة بأي شأن ينظمه من دون إحاطة واسعة بهذا الشأن في القانون الليبي والمقارن أيضا ، كما أن من العبث نسخ دساتير بعض الدول وإجراء تعديلات طفيفة عليها لإعداد دستور لليبيا ؛ إذ يجب أن يكون الدستور ليبيًّا مراعيا الأحوال المختلفة وطبيعة المشاكل والعلاقات فيها .
    لكل ذلك كان من الواجب إجراء دراسة مستفيضة شيئا لأهم الشؤون التي ينظمها الدستور المرتقب ، من هذه الشؤون : تنظيم مبادئ الإدارة المحلية ، تنظيم السلطة القضائية ، تنظيم السلطتين التشريعية والتنفيذية ، الحقوق والحريات العامة ، الوظيفة العامة والعمل ، إضافة إلى موضوع جانبي ولكنه مهم ، ألا وهو تنظيم الجامعات .
    عليه تبدأ هذه السلسلة بتنظيم الإدارة المحلية ، ثم يليها باقي المواضيع واحدا واحدا ، لينتهي الأمر بإكمال مشروع الدستور وعرضه مدعوما بالشروح ، ومقارنًا بالدستور الملكي الصادر عام 1951م ، ودساتير بعض الدول الأخرى العربية وغير العربية إن سخّر الله عزّ وجلّ .
    والله الهادي لسواء السبيل
    للتواصل مع الكاتب
    promohamed18@gmail.com
    تمهيد :
    يرى بعض المهتمين بالشأن العام أن نظام الدولة الاتحادية ( الفيدرالية ) هو الأنسب لليبيا ؛ وذلك بتقسيم ليبيا بين ثلاث ولايات أو أكثر يكون لكل منها حاكم ومجلس تشريعي وحكومة محلية على النحو الذي كان موجودا منذ استقلال البلاد وحتى عام 1963م . وثمة رأي آخر يدعو إلى تبني نظام المحافظات العشر الذي أُنشئ بعد إلغاء النظام الاتحادي . ولكن تدقيق النظر في هذا الموضوع يظهر - على نحو لا لبس فيه - خطأ هذين التوجهين كليهما . فيما يلي عرض للعيوب المشتركة بين النظام الاتحادي ( الفيدرالي ) ونظام المحافظات العشر  ، ثم عرض لعيوب النظام الاتحادي ، ثم عرض لعيوب نظام المحافظات ، لينتهي البحث بشرح ما يبدو أنه التنظيم الإداري الإقليمي الأفضل لليبيا مع ذكر الأسباب .
    أولا - العيوب المشتركة بين النظام الاتحادي ونظام المحافظات العشر بالنسبة إلى ليبيا :
    1. يقوم النظامان الاتحادي ( الفيدرالي ) ونظام المحافظات كلاهما على أساس تقسيم إقليم الدولة بين مجموعة كيانات إقليمية كبيرة المساحة نسبيًّا ، يضم الواحد منها عددا من المدن والبلدات والقرى المتجاورة ، ويتم اختيار إحدى مدن كل كيان إقليمي لتكون عاصمة له ، وبذلك تتركز السلطات الحاكمة في الولاية ( الوالي أو حاكم الولاية Governor ، وحكومة الولاية ، والمجلس التشريعي للولاية ، والمحكمة العليا للولاية ) في عاصمة الولاية ، وهكذا أيضا تتركز السلطات الإدارية الممثلة للمحافظة ( وخاصة المحافظ ، ومجلس المحافظة ) في المدينة التي يمكن أن نسميها مقر المحافظة أو عاصمتها ، وتتركز في عاصمة الولاية والمحافظة أيضًا معظم أو كل الأجهزة والإدارات الممثلة للحكومة المركزية ، بمعنى أن عاصمة الولاية وعاصمة المحافظة ستكونان مصدر الخدمات العامة والمصالح لرعايا الولاية وسكان المحافظة ، فتصير هذه العواصم بذلك مركز جذب لسكان كل ولاية أو محافظة ، وكل ذلك يعني اختلالا كبيرا في التنمية وتوزيع الثروة والسكان بين المدن والبلدات المختلفة ، فتستأثر عواصم الولايات أو المحافظات بنصيب الأسد أو النصيب كله ، وتبقى المدن والبلدات الأخرى في مستوى متدن من حيث توافر الخدمات ومستوى التنمية والمعمار والازدهار ، وهذا يسبب هجرة السكان منها إلى تلك العواصم حيث تتوافر الخدمات وفرص العمل وسبل الحياة ، مما يسبب مشكلة مزدوجة ؛ ازدياد الضغط على العواصم أولا ، وهجرة السكان من المدن والبلدات الأخرى ثانيًا .
    2. يخالف هذان النظامان كلاهما طبيعة المجتمع الليبي القائم على التجمعات السكنية المستقلة والقبائل منذ القدم ؛ ذلك أن النظر في طبيعة المدن والبلدات الموجودة الآن يُظهر أنها تتميّز باستقلال اجتماعي كبير عن بعضها ، كيف لا وعمر معظم هذه المدن والبلدات يزيد على ألف سنة ، أي منذ هجرة بني سليم وقبل ذلك ، فكل مدينة وبلدة منها تشعر بذاتيتها واستقلالها عن المدن والبلدات المجاورة ، بل يزيد الأمر على ذلك في كثير من الحالات إلى عداوات ومنافسات حادة بين هذه المدن والبلدات المتجاورة . وقد أدرك الأتراك العثمانيون هذه الحقيقة بوضوح ، فعملوا على خلق نظام إداري معقّد يقوم على جمع هذه التجمعات السكنية والقبائل المتجاورة في وحدات إدارية واحدة ؛ فقسموا البلاد في العهد العثماني الثاني مثلا بين مجموعة من الألوية أو ( السناجق ) ، والألوية بين أقضية ( مفردها قضاء ) ، والأقضية بين نواحٍ ( مفردها ناحية ) ؛ حتى تستمر سيطرتهم على البلاد مستفيدين من الخلافات الدائمة والحادة بين هذه المدن والبلدات والقبائل ، عملًا بمقولة : « فرّق تسد »  . وهذا عين ما لعب به القذافي أيضًا وتفنّن فيه عن طريق ما سماه « الشعبيات » التي تضم الواحدة منها مجموعة من المدن والبلدات المتجاورة ، حتى إذا قام خلاف بينها كان هو المرجع الذي تحتكم إليه الأطراف المتنازعة ، عارضةً الولاء المطلق له ، وطالبةً الدعم والنصرة . فلما اشتد عليه الخناق وضاقت به الأرض بما رحبت باندلاع ثورة 17 فبراير ، كان من « التنازلات » التي عرضها على الشعب أن تستقل كل مدينة وبلدة بـ « شعبية » خاصة بها ، معترفا أن هذا هو ما كان يريده الشعب ويطالب به ! وقد نفّذ وعده هذا فعلًا قبيل سقوط نظامه بقليل . ولذلك فليس من الحكمة مطلقًا مسايرة الأتراك والقذافي فيما قاموا به ، فمن شأن ذلك تقوية القبلية والجهوية في ليبيا بما يدفع بها إلى الوراء ، وليس من المستغرب لذلك أن نرى التنافس والتناحر بين المدن والبلدات والقبائل المتجاورة على جميع الأسباب ( المناصب الهامة وتوزيع الميزانيات ، التعيينات ، المشروعات المعمارية ، الأولوية في تنفيذ خطط التنمية والتزويد بالخدمات المختلفة ... إلخ ) متى تم جمعها في ظل ولاية أو محافظة واحدة ، مع ما يتبع ذلك من محاباة ومحسوبية ومحاصصات جهوية وقبلية ، لا بل قد يتطور الأمر إلى حدوث نزاع مسلّح ، أي إلى حرب أهلية حقيقية بسبب انتشار السلاح بكثرة ، ووجود كتائب مسلحة بكل مدينة وبلدة ، وخصوصا الآن في هذه الأجواء المشحونة والمتوترة بين مختلف المدن والقبائل في غرب ليبيا بسبب الحرب التي كانت قائمة والتي تمكن فيها القذافي من ضرب المناطق المتجاورة بعضها ببعض ، مستفيدا من الخلافات القبلية والمناطقية التقليدية بينها حتى سال الدم بينها غزيرا ، وعلينا ألا ننسى أن ثمة كثيرين على أتم الاستعداد لاستخدام السلاح خدمة لأهداف قبلية ومناطقية وجهوية ، لا بل إن هذا قد حدث فعلًا في كثير من الجهات .
    3. ربما يستند بعض المطالبين بإحياء نظام المحافظات العشر ، وربما منشئوه الأصليون أيضا ، بما هو موجود في بعض الدول المتقدمة كفرنسا ، وكذلك يستند بعض المنادين بالفيدرالية إلى نجاحها في الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا وبعض الدول الأخرى . وإنما نشأ نظام المحافظات في فرنسا عقب نجاح الثورة الفرنسية ليكون بديلا عن نظام إقليمي واسع من نوع آخر هو الإقطاعيات   ، فثمة إذا رابط قوي كان يربط المدن والبلدات الفرنسية المتجاورة بعضها ببعض ، ولم ينشأ نظام المحافظات من فراغ كما جرى في ليبيا إبان فترة الحكم العثماني الذي أنشأ تقسيمات إدارية معقدة من فراغ ودون مراعاة لما كانت تتمتع به المدن والبلدات من تميّز واستقلال . أما الولايات المتحدة فهي بلد حديث النشأة ، متعدد ومختلط الأعراق والأديان والثقافات ، ولهذه الأسباب وغيرها تنعدم فيه الاعتبارات القبلية والمناطقية والجهوية أو تكاد ، فلا يتصور أن تنشأ فيه حساسيات أو منافسات بين المدن أو البلدات المتجاورة ، ويمكن أن ينجح فيه أي نظام بهذا الشكل ، كما نجح فيه النظام الاتحادي بجدارة . ومع ذلك ، يذكر التاريخ الأمريكي أن الولايات الصغرى اشترطت للدخول في الاتحاد أن تكون السلطة التشريعية العليا بيد مجلس الشيوخ ، أي المجلس الذي تُمثَّل فيه الولايات بالتساوي بصرف النظر عن مساحة الولاية وعدد سكانها ومواردها ؛ وذلك مخافة أن تبتلعها الولايات الكبيرة . وكذلك يختلف الحال في ليبيا عنه في ألمانيا أيضًا ؛ لأن الولايات الألمانية الحالية لم تكن إلا كيانات شبه مستقلة عن بعضها في السابق كسكسونيا التي يقطنها السكسون ، وبافارايا التي يقطنها البافاريون . أما سويسرا فالاختلاف فيها أشد وضوحًا ؛ فشعبها مكوَّن من ألمان وفرنسيين وإيطاليين وجزء آخر محلي ، وتتركز كل طائفة من هؤلاء في جهة معينة من إقليم الدولة ، والنظام الاتحادي هو الصيغة الوحيدة التي يمكن أن تعيش هذه الشعوب المختلفة في ظلها معًا ، وقس على ذلك دولا اتحادية أخرى كالهند والباكستان وروسيا . أما في ليبيا فهذا غير موجود ولا حاجة إليه ، وخاصة وأن ثمة تداخلا كبيرا وتشابها وتعايشا فريدين بين العرب والأقليات بشكل قد يستحيل معه فصل كل عرقية لوحدها . والحاصل أنه لا وجه للمقارنة بين ليبيا والولايات المتحدة أو فرنسا أو أي من تلك الدول المتقدمة ، وخاصة في مسألة وثيقة الصلة بخصوصيات كل بلد ، وطبيعة تكوينه الاجتماعي وروابطه ؛ فتنبغي الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى وتكييفها بما يلائم خصوصيات المجتمع الليبي ، وليس استنساخها وتطبيقها حرفيًّا .
    ثانيا – العيوب الخاصة بالنظام الاتحادي بالنسبة إلى ليبيا :
    يشوب النظام الاتحادي أو الفيدرالي - إضافة إلى ما ذكر - عدة عيوب خطرة منها على سبيل المثال :
    1. يكلّف النظام الاتحادي ( الفيدرالي ) ميزانية الدولة نفقات باهضة بسبب طبيعته المعقدة من حيث ازدواجية الكثير من السلطات والإدارات فيه ؛ إذ سيوجد لكل سلطة وإدارة هامة في الدولة - بما في ذلك المحاكم - نوعان يتبع أحدهما الولايات ويتبع الآخر السلطة الاتحادية ، مع ما يتبع ذلك من زيادة مفرطة في المباني والمنشآت العامة المطلوبة ، وزيادة عدد الموظفين ... إلخ ، أي تضخيم مهول للجهاز الإداري للدولة . ولا شك أن التركيز يجب أن ينصب على توفير المال العام لإعادة إعمار ليبيا وبناء بنيتها التحتية وإنعاشها اقتصاديًّا ، وليس على النفقات الإدارية اللازمة لإنشاء نظام معقّد لا تبدو له أية فائدة حقيقية في ليبيا كما سيتضح . ولا يفيد اعتماد الطريقة الأخرى القائمة على الاعتماد على السلطات المحلية في تنفيذ قرارات السلطات الاتحادية من دون إنشاء إدارات وفروع اتحادية في الولايات ؛ ذلك لأن الملاحظ دائما أن السلطات المحلية تقدِّم تنفيذ قراراتها ، وتهمل تنفيذ القرارات الاتحادية في كثير من الأحيان ، وخاصة إذا وجد تعارض بين الاثنين ، وهما كثيرا ما يتعارضان ، فتكون النتيجة حكومة اتحادية ضعيفة جدا ، لا تجد قراراتها إلى التنفيذ سبيلا ، بل قد تقع بفعل ذلك تحت رحمة سلطات الولايات التي بيدها التنفيذ ، فتكون الحكومة الاتحادية عاجزة فعلا عن إدارة شؤون الدولة على النحو المطلوب ، وإن كانت تتمتع بالسلطة اللازمة من الناحية القانونية النظرية .
    2. يقتضي النظام الاتحادي اختصاص سلطات الولايات بجزء كبير من الشؤون الداخلية للدولة اختصاصا كاملا لا تخضع فيه لرقابة الحكومة الاتحادية أو توجيهاتها ، مع تمتعها بميزانيات مستقلة كبيرة ، وسلطات واسعة في شؤون الولاية . وإذا كان أحد العيوب التقليدية لنظام اللامركزية الإدارية هو أن ضعف رقابة أو وصاية الحكومة المركزية على الوحدات الإدارية المحلية قد يدفعها للتسيّب والفساد ، وبخاصة مع تمتعها بميزانيات مستقلة وسلطات إدارية ، فإن هذا الخطر سيزداد أو سيتضاعف عند زيادة حجم هذه الميزانيات والسلطات من جهة ، وانعدام أية رقابة من الحكومة الاتحادية في المقابل من جهة أخرى ، فخطر إساءة استخدام هذه السلطات وتبديد هذه الأموال أو نهبها يظل قائما بل ومحتملا جدا . فلا يصح القفز من النظام الإداري المركزي الصرف الذي كان مطبقا في عهد القذافي الذي كان يحصي فيه على المسؤولين في « الشعبيات » حتى أنفاسهم إلى نظام هلامي مائع بهذا الشكل .
    3. يَعِيبُ النظام الاتحادي تعقيده الشديد في توزيع الاختصاصات بين السلطة الاتحادية وسلطات الولايات ، وبخاصة السلطات التشريعية والتنفيذية والإدارية ؛ فعادة ما يثور النزاع بين المجالس التشريعية للولايات والهيئة التشريعية الاتحادية ، وبين المجالس التنفيذية للولايات والحكومة الاتحادية في بيان حدود اختصاص كل منها ، فنرى المجالس التشريعية للولايات مثلا تضع قوانين لتنظيم شؤونٍ عَهَدَ بها الدستور إلى الهيئة التشريعية الاتحادية ، والعكس صحيح أيضًا ، ونرى المجالس المحلية تَبُتُّ في شؤون يختص الدستور الحكومة الاتحادية بها   ، وخاصة وأن الحدود الفاصلة بين اختصاصات كل سلطة وأخرى لا يمكن بيانها بيانا واضحًا وحاسما لكل خلاف ، وهو ما يوجب إيجاد محاكم خاصة بالفصل في مثل هذه المسائل ، مع ما يصاحب كل ذلك من تعقيد في الإجراءات وبطء بها ، فتكون الحصيلة دائرة مفرغة من المشاكل التي لا تنتهي ، وعرقلة لعمل الدولة من دون أية فائدة عملية ملموسة .
    4. إذا كان بعض أنصار النظام الاتحادي في ليبيا يستندون في مطالبتهم به إلى حجة أساسية وهي أنه الحل الجذري والنهائي لمشكلة المركزية التي عانت منها المدن والمناطق البعيدة عن العاصمة في العهد السابق ، فإن تدقيق النظر في حقيقة النظام الاتحادي وطبيعته يبين أنها حجة واهية ؛ فالنظام الاتحادي لم يُنْشَأ ليكون علاجا لمشكلة المركزية الإدارية ولم يكن يومًا كذلك ، بل أُنشئ للتوفيق بين كيانات إقليمية مستقلة تحمل بعض الروابط المشتركة ، فتكون الصيغة الاتحادية حلا وسطا يجمع هذه الكيانات تحت ظل دولة واحدة أو مراعاة للتعدد الديني والعرقي في دولة ما . أما المركزية الإدارية فلها حلول متعددة ، منها منح الوحدات الإدارية المحلية سلطات واسعة ، أي اللامركزية الإدارية ، وإنشاء فروع للوزرات والمحاكم العليا في شتى أنحاء إقليم الدولة المتباعدة ( كبنغازي وسبها مثلا ) . ومن جانب آخر ، من قال بأن تطبيق النظام الاتحادي يكفل عدم حاجة مواطني المناطق والمدن البعيدة إلى السفر إلى العاصمة لقضاء بعض شؤونهم ؟ كلا لأن كثيرا من الشؤون الداخلية المهمة تظل بيد الحكومة الاتحادية ، والعاصمة تظل عاصمة مهما كان نوع الدولة .
    5. إذا كان من شأن النظام الاتحادي تقسيم الدولة بين مجموعة ولايات تتمتع كل واحدة منها بسلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وسلطة قضائية مستقلة ، فإن السؤال الجوهري في هذا الصدد هو : هل هناك حاجة حقيقية تدفع إلى ذلك ؟ هل يوجد اختلاف بين سكان الشرق والغرب أو بين سكان الشمال والجنوب يوجب تعدد القوانين واختلافها حتى تكون لكل ولاية سلطة تشريعية مستقلة ؟ فالنظام الاتحادي يجد ما يبرره في الدول الكبيرة متعددة الأمم والأعراق والأديان كالهند والصين وروسيا مثلًا ؛ ذلك أن التنوع العرقي والاختلاف الديني القائم بين سكان الدولة يعني بالضرورة اختلاف معتقداتهم وعاداتهم وشرائعهم بشكل يصعب معه توحيد نظمهم بفرض قوانين واحدة عليهم جميعًا ، وخاصة إذا سكنت كل مجموعة عرقية أو دينية جهة ما من إقليم الدولة ، وكانت أغلبية كبيرة فيها ؛ فقانون الأحوال الشخصية أو المواريث الذي يلائم المسلمين لا يمكن تطبيقه على الهندوس والبوذيين مثلًا الذين لهم شرائعهم الخاصة بهم ، كما أن الأعياد والعطلات والمناسبات والتقويمات تختلف باختلاف الأديان والأعراق ، وكل هذا يحتم إيجاد نظم قانونية مختلفة في الدولة الواحدة ، وهذا ما يحققه نظام الدولة الاتحادية على نحو كبير ؛ فهو نظام يوفّق بين الخصوصيات الدينية والعرقية والثقافية للشعب الواحد وكونه تحت سلطة دولة واحدة ، كما أن كثرة السكان ( أكثر من مليار نسمة في بعض هذه الدول ) تجعل من المستحيل على حكومة واحدة موجودة بالعاصمة إدارة الشؤون العامة في الدولة لوحدها ، فهي تحتاج حتما إلى حكومات إقليمية محلية تعينها على ذلك . وكل هذا غير موجود في ليبيا   ، ولهذا فلا محل للعجب من كون قوانين الولايات الثلاث القديمة ، طرابلس وبرقة وفزان ، لم تكن مختلفة عن بعضها اختلافات كبيرة أو جوهرية بل كانت أقرب ما تكون إلى نسخ مكررة كل نسخة منها باسم ولاية . أما المحاكم فهي منتشرة على كامل إقليم الدولة ، وتوسيعها أو زيادة عددها لا يحتاج إلى نظام اتحادي ، كل ما في الأمر أنه يمكن تقريب المحاكم العليا إلى الجهات البعيدة بإنشاء فروع أو عقد دوائر لها فيها ( بنغازي وسبها مثلا ) . الشيء الوحيد المؤثر في هذا المجال هو الشأن الإداري والتنفيذي الذي يمكن تلافي مشاكله عن طريق توسيع سلطات الوحدات الإدارية المحلية ، وإنشاء فروع للوزارات في الجهات البعيدة كما تقدم بيانه .
    6. يخل النظام الاتحادي بالعدالة بين المناطق والجهات المختلفة في توزيع الثروة الوطنية ؛ ذلك لأن النفط لا يزال يغطي القسم الأكبر من إيرادات الاقتصاد الليبي ، وتطبيق النظام الاتحادي يعني استئثار كل ولاية بعائدات النفط الموجود في أراضيها أو حصولها على نصيب الأسد منه ، تماما كما حدث في النظام الاتحادي الملكي السابق الذي جعل الثروات الموجودة في باطن الأرض والتنقيب عنها اختصاصا مشتركا بين الحكومة الاتحادية والولايات . ولهذا فإن بوسع أية جهة الادعاء بحقها في ولاية مستقلة حتى تستأثر بعائدات النفط الموجود فيها وتحرم بقية الليبيين ، وهكذا ستكون في ليبيا ولايات غنية وولايات فقيرة ، أي جهات غنية وجهات فقيرة ، تتوافر في الأولى فرص العمل والأجور العالية وحياة الرفاهية ، وتعاني الثانية البطالة وانخفاض مستوى الأجور وزيادة معدل الفقر . هذا يعد بلا شك نتيجة طبيعية لإنكار مبدأ المساواة بين الليبيين الذي يقتضي أن لكل ليبي الحق في الاستفادة من عوائد كل قطرة نفط بالمساواة مع غيره من الليبيين بصرف النظر عن مكان ولادتهم أو محل إقامتهم .
    7. ولعل الأخطر من كل ذلك هو : على أي أساس سيكون التقسيم ؟ هل سيكون التقسيم ثلاثيًّا : ولاية طرابلس ، وولاية برقة ، وولاية فزان ؟ أم أن فتح باب الفيدرالية سيدفع بالأقليات إلى المطالبة بولايات خاصة بها : ولاية للأمازيغ ، وولاية للتبو ، وولاية للطوارق في الجنوب ، وهو ما يعني تقسيم ليبيا بين مجموعة من الكيانات الإقليمية العرقية . ولا شك أيضا أن هذه الأقليات ستطالب بجعل لغاتها الخاصة لغات رسمية في ولاياتها مع إهمال اللغة العربية شيئا فشيئا ، وخاصة إذا علمنا أن تنظيم شؤون التعليم الابتدائي والمتوسط من الشؤون التي تختص بها الولايات حتى في ظل الدستور الملكي السابق ، ولذلك فقد لا يمضي وقت طويل حتى تظهر أجيال في تلك الولايات لا تعرف من اللغة العربية حرفًا ، فتصبح لغة أجنبية وغريبة في هذه الولايات ، ويصبح ابن الولايات « العربية » أجنبيًّا فيها والعكس صحيح ، أي أن النظام الاتحادي سيعمل على تفتيت اللحمة الوطنية بين أبناء ليبيا بالقضاء على القواسم المشتركة بينهم وهي اللغة العربية والإسلام والتعايش المشترك والأعراف والنظم الموحدة ، أي القضاء على الهوية الليبية التي نشأت وتألفت وصُقِلَت منذ أكثر من ألف سنة مضت ، ومن ثم اختفاء شيء اسمه ليبيا وإلى الأبد ، والشاهد ما حدث ويحدث للسودان والعراق .
    يتضح من كل ما تقدم خطأ كل الحجج التي تقول بأن الفيدرالية حل للمركزية ، وتعويض للجهات المهمشة ، ونظام حكم العدالة والمساواة بين الأقاليم وما شابه هذا الكلام .
    ثانيًا – العيوب الخاصة بنظام المحافظات بالنسبة إلى ليبيا :
    لا يجدي في هذا الشأن نظام المحافظات أيضا ، وذلك بأن يقسّم إقليم الدولة بين محافظات تنقسم بين وحدات إدارية أصغر فأصغر ؛ وذلك كأن نقول مثلًا : محافظة الجبل الغربي وتضم متصرفيات غريان والأصابعة والزنتان ونالوت … إلخ ، وتقسم متصرفية غريان مثلًا إلى مجموعة من المديريات وهكذا على النحو الذي كان قائما منذ صدور المرسوم الملكي بقانون في شأن الإدارة المحلية الصادر عام 1967م وحتى عام 1970م بعد الانقلاب العسكري - وذلك لعدة أسباب أهمها ( إضافة إلى العيوب المشتركة بينه وبين النظام الاتحادي والتي سبق ذكرها ) :
    1. يتسم هذا النظام بتعقيد شديد يؤدي حتما إلى تفتيت الاختصاصات والسلطات الإدارية بين مجموعة كبيرة من الوحدات الإدارية الإقليمية المتوازية وغير المتوازية بما يزيد على حاجة البلاد الفعلية بكثير ؛ فهذا النظام يقوم - كما جاء في المرسوم الملكي المذكور أعلاه - على تقسيم ليبيا بين عشر محافظات ، وتُقَسّم كل محافظة بين مجموعة من المتصرفيات ، وكل متصرفية بين نيابات ، وكل نيابة متصرفية بين مجموعة من المديريات . ولا شك أن من شأن هذا التنظيم المعقّد ومتعدد المستويات تضخيم الجهاز الإداري للدولة ، وزيادة المقار الإدارية ، والموظفين ، والسيارات العامة ، والأثاث المكتبي ، والقرطاسية …إلخ ، ومن شأن ذلك زيادة النفقات العامة من دون فائدة حقيقية ، بل بالعكس يعرقل ذلك عمل الإدارة المحلية ويعقده ويفقده السلاسة والوضوح ، ويقع العبء الأكبر على عاتق المواطن الذي سيعاني الأمرين من جراء طول الإجراءات الإدارية وتعقيدها ، فيكون عليه إذا احتاج خدمة عامة أن يرفع طلبه إلى المدير الذي يحيله على المتصرف الذي يحيله بدوره على المحافظ ثم على الوزير أحيانًا ، مع ما يصاحب ذلك أيضًا من تداخل في الاختصاصات ، وتفتيت للمسؤوليات .
    2. ضف إلى ذلك أن التنظيم الإداري الإقليمي في العهد الملكي الذي يطالب بعض السياسيين بإحيائه الآن ( نظام المحافظات العشر ) بعيد كل البعد عن المثالية ؛ فهو نظام إداري مركزي قائم على طريقة عدم التركيز الإداري ، بشهادة أساتذة القانون الإداري العرب الذين درَّسوا القانون الإداري في الجامعة الليبية ( سابقًا )   ، والمركزية الإدارية نظام منتقد جدا كما هو معلوم لكل دارسي القانون الإداري وذوي الخبرة في الإدارة الإقليمية .
    3. يضاف على ذلك أن هذا التقسيم مبني على أسس غير صحيحة ؛ ولذلك ستجد أن مدينة البيضاء مثلًا محافظة لوحدها ، أما مدينة الكفرة فتتبع محافظة بنغازي مع أن بين المدينتين مسافة تزيد على ألف كيلو متر تقريبًا ، وستجد عشرات المدن تتبع لمدن أخرى تبعد عنها عشرات أو مئات الكيلو مترات . ولماذا كل هذا ؟ هل هو فرحةٌ ببنية المواصلات والطرق المتهالكة ؟ أم رغبة في زيادة حوادث المرور والقضاء على البقية الباقية من الشباب الليبي ؟ أم استمرارا في السياسة القذافية القائمة على إتعاب الناس وإرهاقهم ؟
    * * *
    ولكل ذلك ينبغي لأي نظام إداري محلي أن يأخذ في حسبانه تجنب التعقيد في بنية الإدارة المحلية ، والاتسام بالبساطة والسلاسة ، ووضوح الاختصاصات ، وتقريب الخدمات إلى الناس أينما كانوا ، ثم مراعاة خصوصية المجتمع الليبي .
    ثالثا – النظام الإداري المحلي الأمثل لليبيا :
    يبدأ هذا الجزء بعرض النظام الإداري المحلي المقترح ، بما في ذلك مقومات نجاحه واستمراره ، ومزاياه ، ثم مناقشة بعض ما قد يقال فيه .
    أ – عرض النظام الإداري المحلي المقترح :
    يجب تقسيم البلاد بين مجموعة بلديات مستقلة منفصلة عن بعضها ، فيكون كل تجمع سكني يصل عدد السكان فيه حدا معيّنا بلدية مستقلة ، أي وحدة إدارية محلية مستقلة .
    ويلاحظ هنا أن البلديات التي كانت قائمة في العهد الملكي لم تكن وحدات إدارية ، ولم تكن تتبع المحافظات ، كما أن عمدة البلدية لا يتبع المحافظ ؛ فالبلدية كيان إقليمي مستقل عن المحافظة ، يختص ببعض الشؤون البلدية قليلة الأهمية ، كضبط وقائع الأحوال المدنية من ميلاد وإقامة وزواج …إلخ ، وإصدار الرخص والرقابة على التجارة ومزاولة المهن ، والبناء والتخطيط ، وتنظيم النقل داخل البلدية . أما الأجهزة الإدارية بأنواعها المختلفة داخل البلدية فتتبع المدير والمتصرف والمحافظ . وهذا أحد أوجه عيوب هذا النظام ؛ ذلك أنه أوجد وحدات إدارية متعددة المستويات وعهد إليها ببعض الشؤون ، وأوجد البلديات أيضا واختصّها بشؤون أخرى داخل الرقعة الجغرافية ذاتها من إقليم الدولة .
    يبدو أن الحل الأفضل هو الاقتصار على البلديات وحدها ، ولكن مع تغيير طبيعتها من ناحيتين ؛ الأولى هو جعلها وحدات إدارية تتمتع ببعض السلطات الإدارية أيضا فوق اختصاصها بالشؤون المحلية لتكون بديلا عن المحافظات والمتصرفيات والمديريات ، والثانية هو جعلها وحدات لامركزية حقيقية . وهكذا يكون عندنا في الساحل الغربي على سبيل المثال : بلدية زوارة ، بلدية صبراتة ، بلدية صرمان ، بلدية الزاوية ، بلدية جنزور ، بلدية طرابلس … إلخ ، ويكون عندنا في الجبل الغربي : بلدية غريان ، بلدية يفرن ، بلدية الزنتان … إلخ ، وفي الشرق : بلدية بنغازي ، بلدية البيضاء ، بلدية درنة ، بلدية المرج ، بلدية طبرق … إلخ - مع ضرورة أخذ الملاحظات التالية بعين الاعتبار :
    1. ليس من الضروري أن تكون البلديات جميعًا بحجم هيكل واحد موحّد في كل البلاد ؛ فلا حاجة إلى تقسيم البلديات الصغيرة بين وحدات إدارية أصغر كفروع بلدية أو محلات ، بل يمنح القانون كل الاختصاصات المحلية إلى عمدة البلدية والمجلس البلدي والأجهزة الأخرى الممثلة للبلدية ذاتها ، أما البلديات الكبيرة والمتوسطة كطرابلس وبنغازي ومصراتة فتقسم بين مجموعة من الفروع البلدية لوجود ضرورات عملية تحتم ذلك ، فينقل القانون بعض الاختصاصات إلى الفروع البلدية ؛ لتوزيع العمل ، وتخفيف العبء على المواطنين وعلى البلدية ذاتها .
    2. يجب أن يكون إنشاء البلديات وبيان حدودها الإدارية وما إذا كانت تتضمن فروعًا بلدية أو لا بتشريع برلماني أي بقانون وليس بأداة أدنى . تمنح هذه الطريقة المنطقية التَّنْظِيمُ الإداري المحلي استقرارا كبيرا ، فلا يطاله التعديل إلا للضرورات القصوى وبعد مناقشات برلمانية مستفيضة تقرر ما إذا كانت هناك حاجة حقيقية إليه أم لا . أما إسناد هذا الاختصاص ( إنشاء البلديات وبيان حدودها الإدارية ) إلى جهة أخرى كمجلس الوزراء مثلًا فهو خطوة غير منطقية قانونا وتؤدي إلى نتائج خطيرة ؛ ذلك أن التسليم لجهة تنفيذية بسلطة إنشاء البلديات أو دمجها أو تحديد اختصاصاتها يقتضي أن تكون لهذه الجهة ميزانية مفتوحة تتصرف بها كما تشاء خلافًا للمبادئ المالية والقانونية الحديثة المستقرة التي تقيّد نفقات الحكومة بميزانية واضحة يقرها البرلمان ، ذلك أن إنشاء بلدية جديدة أو فرع بلدي جديد يتطلب الكثير من النفقات لإيجاد مقار لإداراته ، وتعيين موظفين به ، وتخصيص ميزانية له ، وغير ذلك من النفقات اللازمة . وكل ذلك لا يكون إلا بقانون . كما أن ترك هذا الاختصاص الخطير بيد الحكومة قد يدفعها إلى إساءة استخدامه لأغراض شتى ؛ كدمج بلدية أو فرع بلدي في بلدية أو فرع بلدي آخر انتقامًا من عمدة هذه البلدية أو رئيس ذلك الفرع لسبب من الأسباب ، أو جعل الفروع البلدية لإحدى البلديات أكثر من اللازم سعيًا لزيادة ميزانية البلدية بزيادة فروعها ، أو محاباة لبلدية على حساب بلدية أخرى بضم مساحات من الأرض إليها بغير وجه حق إلى غير ذلك من مظاهر الفساد التي كنا نشهدها في النظام السابق الذي جعل هذا الاختصاص بيد المسمى « أمانة مؤتمر الشعب العام » حتى يتسنى له اللعب به إلى أبعد الحدود ؛ فهو كان وسيلته لزعزعة الاستقرار الإداري ، وضرب القبائل والمناطق المتجاورة بعضها ببعض ، وإدخال البلاد في فوضى دائمة ، وإضاعة الوقت والجهد ، وتبديد المال العام ، وعرقلة التنمية ، وتعطيل مصالح الناس .
    3. ليس من الضروري أن يتم إنشاء البلدية وبيان حدودها الإدارية في خطوة واحدة معًا ؛ ذلك أن بيان الحدود الإدارية بين البلديات قد يتطلب تشكيل لجان وزارية وبرلمانية متخصصة ، ومراجعة المستندات والخرائط المتوافرة والأحكام القضائية السابقة الصادرة بالخصوص ، والاستماع إلى ذوي الشأن ، وغير ذلك مما يتطلب وقتًا قد يطول . ولذلك فإن المبدأ هو جعل إنشاء البلديات والفروع البلدية عملية منفصلة عن بيان حدودها الإدارية بدقة التي يمكن معالجتها بقوانين لاحقة ولكل بلدية على حدة - إلا إذا كانت هذه الحدود واضحة وثابتة ومتوافق عليها بين البلديات المعنية .
    4. يجب أن ينص الدستور ذاته على المبادئ الأساسية لتنظيم الإدارة المحلية ، وأهمها ما يلي :
    • تقسيم البلاد بين بلديات ، وتقسيم البلديات الكبيرة والمتوسطة بين فروع بلدية أو محلات .
    • النص على أن إنشاء البلديات والفروع البلدية وبيان حدودها الإدارية يكون بقانون .
    • تمتع كل بلدية بالشخصية المعنوية مع ما تقتضيه من ميزانية مستقلة وحق التقاضي وغيره ؛ وربما يكون من الأفضل أيضا أن ينص الدستور صراحة على كون البلديات وحدات إدارية لامركزية ، ويقضي باختصاصها بالشؤون البلدية المتعارف عليها ؛ كإصدار رخص الأعمال التجارية والصناعية ، وضبط وقائع الأحوال المدنية ، والإشراف على جهاز الحرس البلدي والشرطة المحلية ، وتنظيم النقل داخل البلدية ، وتنظيم البناء والتخطيط وغير ذلك من الشؤون البلدية ، ثم ينص الدستور بعد تعداد هذه الشؤون : « والاختصاصات الأخرى التي يبينها القانون » ، بما يضمن سير التنظيم الإداري المحلي على أساس لامركزي ، والابتعاد عن تركيز السلطة الإدارية بيد الوزارات . ومع أن هذا يعد خروجا شكليا عن نظام اللامركزية الإدارية التي تفترض أن اختصاصات الوحدات الإدارية المحلية يبينها القانون وليس الدستور ، ولكن لا بأس من ذلك إذا كان ضروريا للتغلب على النزعة الإدارية المركزية الموجودة في ليبيا بحكم الممارسة الطويلة لها .
    • بيان كيفية اختيار عمدة البلدية ، وكيفية تأليف المجلس البلدي ( بالانتخاب أو بالتعيين ) . ولا شك أن المبادئ الديمقراطية الحديثة ومبادئ اللامركزية الإدارية توجب أن يكون شَغْلُ المناصب الإدارية المحلية العليا بالانتخاب المبني على أساس برامج عمل يضعها المرشَّحون أمام الجمهور ، فلا غنى عن الانتخابات البلدية في دولة ديمقراطية حقيقية .
    • يجب أن يبيّن الدستور الأسس التي يستند إليها البرلمان عند إنشائه للبلديات والفروع البلدية وبيان حدودها الإدارية ؛ ليسهل حل الخلافات التي قد تنشأ بين البلديات المتجاورة في هذا الموضوع ، فينص على أن إقليم البلدية يتألف من المناطق التي يقطنها سكانها إضافة إلى الأراضي التابعة لها المملوكة لهؤلاء السكان أو التي تعد من مناطقهم تقليديًّا .
    • ولذلك وكنتيجة قانونية ومنطقية لإسناد الدستور سلطة إنشاء البلديات والفروع البلدية وبيان حدودها الإدارية للهيئة التشريعية ، ووضع الدستور للضوابط التي ينبغي لهذه الهيئة اتباعها عند قيامها بذلك - فإن الفصل في المنازعات التي قد تحدث بين البلديات المتجاورة بشأن حدودها الإدارية قضائيا لا يكون إلا أمام المحكمة الدستورية العليا ؛ لأن هذه الحدود مرسومة بقانون ، ووفقًا لأسس وضوابط يضعها الدستور ، فإذا ادّعت بلدية ما أن حدودها الإدارية التي بينها القانون غير صحيحة ولا توافق الضوابط الدستورية ، فهذا يعني طعنًا بعدم دستورية هذا القانون ، والمحكمة الدستورية العليا هي السلطة الوحيدة في الدولة التي يمكنها تقرير ذلك . ولا شك أن إسناد هذه المنازعات التي تحدث كثيرا في ليبيا إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها يحقق فوائد جمّة ؛ منها أن قضاتها من أكثر القضاة خبرةً وكفاءةً في الدولة ، وليس من السهل التأثير في عملها أو الضغط عليها بالقياس على بعض المحاكم والجهات الأخرى .
    5. بناءً على ما تقدم ، يترك الدستور للقانون ( قانون البلديات أو الإدارة المحلية ) تنظيم الشؤون الأخرى التي تحتاج إلى المراجعة وإعادة النظر بين فترة وأخرى ؛ حتى يسهل تعديلها وضبطها ، وأهمها :-
    • تسمية البلديات والفروع البلدية ، وبيان هيكليتها الإدارية ( الإدارات والفروع والأقسام الإدارية التي تتألف كل بلدية منها ) ، وتقسيم العمل بينها .
    • تنظيم الشؤون الوظيفية لموظفي البلديات ( تعيينهم ، ترقيتهم ، نقلهم ، مرتباتهم ، واجباتهم ، والنظام التأديبي الذي يخضعون له ) .
    • بيان بقية اختصاصات البلديات غير المنصوص عليها في الدستور واختصاصات الفروع البلدية ( إن وجدت ) ، بما يسهِّل إعادة تقسيم هذه الاختصاصات بين الفروع البلدية والبلديات والوزارات من حين إلى آخر بحسب الحاجة .
    ب - فوائد التنظيم الإداري المحلي المقترح :
    يحقق هذا النظام المقترح فوائد جَمَّة يمكن تلخيص أبرزها فيما يلي :
    1. بساطة التنظيم الإداري المحلي ؛ فتكون الإدارة المحلية على مستوى واحد في بعض الجهات ، وعلى مستويين اثنين ( فروع بلدية وبلديات ) في جهات أخرى . يكفل ذلك إبعاد هيكلية الإدارة المحلية عن التعقيد ، وعن تداخل الاختصاصات ، أي الابتعاد عن البيروقراطية خطوة واسعة إلى الأمام ، وتسريع العمل الإداري أيضًا .
    2. إبعاد التنظيم الإداري المحلي عن العبث الذي كان يشهده في العهد السابق ومنحه أسباب الاستقرار ؛ وذلك بإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح بجعل سلطة إنشاء البلديات والفروع البلدية ورسم حدودها الإدارية بيد البرلمان بقانون يقره وفقًا لضوابط يضعها الدستور ، وليس بيد السلطة التنفيذية .
    3. منح التنظيم الإداري المحلي طابعًا لامركزيا مستندا إلى الدستور نفسه ، بما يمنع البرلمان من المغالاة في توسيع السلطة الإدارية للوزارات على حساب البلديات ؛ فأسلوب المركزية الإدارية أسلوب سيئ وغير عملي كما ثبت جليًّا في العهد السابق الذي كان يميل إليه بوضوح .
    4. إخضاع سلطة إنشاء البلديات والفروع البلدية وبيان حدودها الإدارية إلى رقابة المحكمة الدستورية العليا ، أعلى محكمة في البلاد ؛ ليكون لذوي الشأن فرصة تدارك أي خطأ قد يقع فيه البرلمان في هذا الشأن . وتتوافر هذه المحكمة - كما تقدم ذكره - على ضمانات قوية تجعلها مؤهلة لتولي هذه الرقابة بجدارة .
    5. التغلب على ظاهرة التنافس بين المدن والقبائل المتجاورة التي تعاني منها ليبيا كثيرا ، ليكون تركيز البلديات منصبًّا على وظائفها الحقيقية ، والمساعدة في تحقيق التنمية والمصلحة العامة - لا على الصراعات والتنافس المبني على الحسابات المناطقية والجهوية والقبلية ، أي الدفع بليبيا إلى الأمام ، والابتعاد بها عن مخلفات الماضي ، لتكون ليبيا الجديدة فعلا .
    6. التوزيع العادل للثروة الوطنية بين مختلف مدن وبلدات ومناطق ليبيا ، فتكون لكل بلدية ميزانية مناسبة لحجمها وعدد سكانها ، فلا وجود في هذا النظام لبلديات أو جهات غنية وأخرى فقيرة ، ويضمن هذا النظام أيضا تنمية بشرية متساوية لكل المدن والبلدات الليبية ، مما يشجع الهجرة العكسية ، ويخفف الضغط على المدن الكبرى أيضا .
    7. تقريب الخدمات العامة إلى المواطنين في مدنهم وبلداتهم ، فلا يحتاج سكان الكفرة مثلا إلى السفر إلى بنغازي أو سكان الجبل الغربي إلى السفر إلى غريان أو طرابلس أو سكان مرزق أو تراغن إلى السفر إلى أوباري أو سبها لإتمام بعض الإجراءات الإدارية أو استخراج رخص أو ما شابه ، بل سيكون كل ذلك ممكنا في بلدياتهم ، أي في مدنهم وبلداتهم .
    ج – عيوب قد تذكر بشأن التنظيم الإداري المحلي المقترح :
    1. قد يقول قائل بأن إلغاء المحافظات والمتصرفيات والمديريات والاقتصار على البلديات فقط قد يزيد الضغط على الوزارات ؛ لأن الوزير الذي كان يتعامل مع عشرة محافظين فقط سيكون مطالبًا بالتعامل مع عشرات من عمداء البلديات ، وفي هذا ضغط عليه .
    ووجه عدم صحة هذا النقد هو أن بإمكان الوزارة المعنية ( وزارة البلديات ) توسيع نفسها ، وإيجاد أقسام أو إدارات متعددة بها بحسب الحاجة ؛ لتنظيم العمل بالقدر الذي يفي بالطلب ، كما يمكن إيجاد نواب عن الوزراء ووكلاء لهم ، وليس هذا بمسوّغ حقيقي حتى وإن صحّ ، وبخاصة إذا كان البديل هو عودة المنافسات والصراعات المناطقية والقبلية وربما الحرب الأهلية . ثم إن تعامل الوزير مع عمداء بلديات أفضل من تعامله مع محافظين مسؤولين عن رقع جغرافية واسعة قد لا يعرفون ما الذي يجري فيها ، أما التعامل مع عمداء البلديات المسؤولين عن رقع جغرافية أصغر وعدد سكان أقل فيجعل الوزير أقرب إلى القاعدة الشعبية ، وأكثر معرفة باتجاهاتها ورغباتها .
    2. قد يقول قائل بأن ثمة بلدات متناثرة هنا وهناك في بعض المناطق الجبلية والصحراوية لا يمكن ، بالنظر إلى قلة عدد سكانها وإمكانياتها ومواردها ، أن تكون بلديات مستقلة .
    ولكن التقسيم لا يمكن أن يكون عبثيًّا هكذا ؛ إذ يجب أن يضع الدستور شروطا معينة ليكون أي تجمع سكني بلدية مستقلة ، كعدد السكان مثلا   . فإذا وجدت بلدة ما لا يزيد عدد سكانها عن بضع مئات مثلا ، ولا تتوافر فيها الموارد والمباني الإدارية اللازمة لإنشاء بلدية مستقلة ، هنا وهنا فقط يمكن دمجها مع غيرها ، أي عندما يكون خيار الدمج أفضل من الاستقلال فقط . وإذا وجدت بعض البلدات التي على هذه الحال ، فعلينا ألا ننسى وجود عشرات المدن والبلدات الكبرى التي يمكن جعلها بلديات مستقلة بسهولة .
    3. قد يقول قائل بأن جعل كل مدينة وكل بلدة بلدية - ولو بشروط معينة - يكثر عدد البلديات إلى حد غير مقبول .
    ووجه خطأ هذا النقد هو أن بلادنا ليست كثيرة السكان أو كثيرة المدن أو البلدات أو القرى حتى توجد بها بلديات كثيرة ، وخاصة إذا علمنا أن عدد البلديات في فرنسا مهد هذا النظام قد بلغ 38 ألف بلدية في بعض المراحل   ، ونحن لسنا في حاجة إلى مثل هذا العدد طبعًا ، ولا يتصور أن يزيد عدد البلديات في ليبيا على بضع عشرات . ثم ما الضير في إنشاء عدد كبير من البلديات إذا كان من شأن النظام البديل ، نظام المحافظات العشر ، إيجاد ليس عشرات بل ربما مئات المتصرفيات والمديريات ؟
    4. قد يقول قائل بأن إنشاء عدد كبير من البلديات ومنح كل بلدية سلطات إدارية كبيرة قد يؤدي إلى بعض المحاذير ، منها إساءة استخدام بعض البلديات لهذه السلطة ، والخوف على تبديدها للأموال التابعة للبلديات والعبث بميزانياتها ، وبخاصة في حالة عدم وجود عناصر إدارية مؤهلة وذات خبرة في بعض المناطق .
    ولكن علينا ألا ننسى أن هذه البلديات تخضع لرقابة عدة جهات أهمها الحكومة ؛ إذ تمارس الحكومة ما يسمى بالوصاية الإدارية على البلديات ، ومن أهم مظاهرها إلغاؤها القرارات البلدية المخالفة للقانون ، وضرورة تصديقها بعض القرارات البلدية المهمة أو المؤثرة قبل نفاذها ، وضرورة منحها البلدية إذنا مسبقا قبل اتخاذ بعض القرارات المهمة الأخرى ، وكذلك حقها في إحالة المسؤولين البلديين إلى المحاكم أو لجان تحقيق عند ارتكابهم مخالفات جسيمة وغير ذلك . وتخضع البلدات فوق ذلك لرقابة فنية من جانب ديوان المحاسبة ، وفوق كل ذلك رقابة القضاء بوجه عام ، ورقابة القضاء الإداري بوجه خاص . ويمكن التغلب على مشكلة عدم وجود عناصر مؤهلة بعقد دورات تدريب على العمل الإداري ، بل وحتى بالاستعانة بموظفين من خارج البلدية إذا اقتضى الأمر .
    5. قد يقول قائل بأن هذا النظام المقترح لا يقضي على النزاعات القبلية في ليبيا على نحو تام ؛ إذ يظل الخطر قائما من نشوء مثل هذه النزاعات بين القبائل التي تسكن المدينة الواحدة ، أي البلدية الواحدة .
    يمكن التغلب على هذه المشكلة مع مرور الوقت بحسن تنظيم الانتخابات ، ومن أهم الأشياء الواجب اتّخاذها في هذا الشأن هو أن يفرض الدستور على كل مرشح ، سواء في الانتخابات البلدية أم البرلمانية أم الرئاسية أم غيرها ، أن يُعِدَّ برنامج عمل تفصيلي ومكتوب يوضح فيه آراءه في القضايا المختلفة الداخلية والخارجية المتصلة بالوظيفة التي يرغب في تقلّدها ، ويوجب عليه عرضه على الجمهور قبل الانتخابات بفترة . يضمن هذا الإجراء أن يكون اختيار عدد كبير من الناخبين مبنيًّا ليس على الحسابات القبلية ، بل على المفاضلة بين خطط العمل المختلفة التي يعرضها المرشحون . ولا يمكن - بطبيعة الحال - تطبيق هذا الإجراء بنجاح في حالة الانتخابات التي تجري في ظل ولاية أو محافظة مثلًا ؛ ذلك لأن الاعتبارات الجهوية تظل الأقوى ، وخاصة مع تشابه برامج العمل التي يضعها المرشحون من المدن والبلدات المختلفة في الولاية أو المحافظة .
    وفوق ذلك ، يقضي النظام الإداري المحلي المقترح على الوجه الأشد خطرًا من وجهي النزاع القبلي والمناطقي في ليبيا ، ألا وهو النزاع بين المدن والبلدات المتجاورة ، أما الوجه الآخر لهذا النزاع وهو النزاع بين قبائل المدينة والبلدة الواحدة ، فيمكن تخفيف حدته شيئا فشيئا مع مرور الزمن . وفي المقابل ، يعمل النظام الاتحادي ونظام المحافظات العشر بالعكس على تقوية النزعة القبلية والمناطقية والجهوية كما تقدم بيانه . والنظام الذي يقضي على أحد جانبي المشكلة أفضل قطعا من النظام الذي لا يحل منها شيئا البتة بل يزيدها سوءا .
    * * *
    - تم بحمد الله وفضله –
    للتواصل مع الكاتب
    promohamed18@gmail.com

  2. #2
    المشرف العام
    Guest

    افتراضي

    هوامش الدراسة
    لم تكن هذه السياسة العثمانية بخافية عن أحد ، وإليها ترجع فكرة تقسيم قبائل ليبيا بين قبائل مؤيدة للحكم العثماني أو ما عرف بـ « صف يوسف » ، وقبائل معارضة له أو ما سمي بـ « صف شداد » . وعناية الأتراك العثمانيين بالأوضاع القبلية في البلاد عند وضعهم لتقسيماتهم الإدارية لها كان موضع انتباه من بعض من درسوا تاريخ التنظيم الإداري والسياسي لليبيا قبل الاستقلال ، يقول الدكتور إسماعيل مرزة على سبيل المثال في مؤلَّفه : ( القانون الدستوري ، 1969م ، ص 148 ) : « يلاحظ أن تقسيم البلاد إلى أقضية ونواحٍ كان يراعى فيه الوضع الاجتماعي ، فقد كان يراعى في أغلب هذه التقسيمات الإدارية الوضع القبلي للبلاد . وانطلق الأتراك في تدبير شؤون الحكم من حقيقة أن الوحدة القبلية كانت تكوِّن الأساس في التنظيم الاجتماعي » .
    2 راجع : د. خالد عريم  ، القانون الإداري الليبي ( الجزء الأول ، 1969م ) ، ص 489 .
    3يعد هذا النوع من المسائل مثار خلاف دائم بين السلطات المحلية والسلطات الاتحادية في كل الدول الاتحادية ، ومنها في ليبيا طبعًا . ومن هذه المشاكل على سبيل المثال قضية رفعت إلى المحكمة الاتحادية العليا بشأن إصدار المجلس التنفيذي لولاية طرابلس منشورا ينظِّم مهنة الصيدلة في هذه الولاية ، فقضت المحكمة في القضية رقم 2/3ق بعدم اختصاص هذا المجلس أو غيره من سلطات الولاية بإصدار مثل هذا المنشور ( القرار ) ، وقالت في هذا الحكم الذي صدر بتاريخ 18/11/1956م : « ما كان للولاية أن تشرع حتى بقانون في مادة لا تملك التشريع فيها فمن باب أولى لا تملك تعديل قانون قائم بقرار أو منشور دوري تعفي فيه المتقدمين لاقتناء الصيدليات من شرط المؤهل » .
    4 بالنسبة إلى الأمازيغ ، يقول الدكتور إسماعيل مرزة في كتابه السابق ، ص 214 ما يلي : « إن الشعب الليبي وإن كان يتألف من قوميتين متمايزتين ، إلّا أنهما قد تآخَتا وتماثلت أهدافهما بفعل التأثير المتبادل والتاريخ المشترك ... ، فالقوميتان متعايشتان وقد تمثلت كل منهما حضارة الأخرى إلى درجة تلاشى معها كل خلاف بحيث يصح القول الآن إن الحضارة الشاملة هي حصيلة حضارتين » . ويضاف على ذلك التداخل السكاني الفريد بين مناطق الأمازيغ ومناطق العرب في ليبيا .
    5  من هؤلاء الدكتور خالد عريم ، مرجع سبق ذكره ، ص 484 ما يلي : « الإدارة المحلية تعني في فقه القانون الإداري إدارة الأقاليم من أفراد يختارهم سكان الأقاليم أنفسهم ومن بين هؤلاء السكان أي بعبارة أخرى تعني تمتع الأقاليم بالشخصية القانونية واتّباع أسلوب اللامركزية في إدارتها … أما في ليبيا فإن الوحدات الإدارية لا تتمتع باللامركزية وإن السلطات الموجودة على رأس الإدارة فيها ليست سلطات لامركزية بل موظفون كسائر موظفي الدولة … » . وأكّد الشيء ذاته بالنسبة إلى البلديات القائمة آنذاك ، حيث انتهى بعد بحث مستفيض في طبيعتها كما أنشأها القانون بأنها : « البلديات وإن كانت تتمتع بالشخصية المعنوية فإن السلطات التي تتولى إدارتها ليست مستقلة عن السلطة المركزية وإن سلطاتها في اتخاذ القرارات المتعلقة بالشؤون البلدية محدودة جدًا ، وفي مثل هذه الحالة يصعب علينا القول بأن البلديات وحدات لامركزية وأن السلطات القائمة فيها سلطات لامركزية ، وإذا أردنا أن نحدد طبيعة البلدية على حقيقتها استنادًا إلى السلطات التي خصها بها المشرع الليبي فلا يسعنا القول بأن البلديات وحدات لامركزية وإنّما هي مجرد أشخاص إدارية إقليمية تتمتع بدرجة ضئيلة من الاستقلال في إدارة بعض الشؤون المحلية » . ص 623 من كتابه المذكور .
    6 يجب أن يكون وضع مثل هذه الشروط مبنيًّا على دراسة ميدانية معمّقة للبلدات والمدن المختلفة في ليبيا ؛ للتعرف إلى مختلف العناصر الواجب أخذها بعين الاعتبار في هذا الشأن ، حتى يكون التنظيم الإداري المحلي واقعيا وملبيا لحاجات السكان بدرجة كبيرة ، ولا يصح أن توضع هذه الشروط ارتجالا واعتباطا بطبيعة الحال .
    7  راجع : د. خالد عريم ، المرجع السابق ، ص 529 .

  3. #3
    عضو وفي
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    نبكي ونتأسف ونعتذر ونتعلل وتسكتنا الأصوات فننظر نحو المجهول بشفاه باسمات
    المشاركات
    474

    افتراضي

    جزاكِ الله خيرا ..أستاذة.....على هذا المقال.. فعلا مهم جدا أن نفهم مثل هذه الأمور ونعيها جيدا ..قمت بحفظه للعودة إليه من جديد ودراسته جيدا

  4. #4
    عضو مشارك
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    الدولة
    libya
    المشاركات
    2,198

    افتراضي

    الله عليك كم هدا رائع شكراااااااااااااااااااااااا

 

 

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 
 
جميع الحقوق محفوظة © 2007 - 2013, موقع القانون الليبي.