ملكية الأراضى فى ليبيا منذ العهد العثمانى إلى وقتنا الحاضر




اعداد

م. صالح بشير المزوغى

________________

مقدمة

عندما تختل الثقة بين الدولة الممثلة في اللجنة الشعبية العامة , والمواطن السيد في موضوع الملكية العامة فان هذا موضوع يستحق التوقف عنده طويلا..فقد يعود إلى وجود خلل في القانون نفسه أو إجراءات تطبيقه من قبل القائمين على إدارة مؤسسات الدولة، الذين هم بالمقابل أفراد طبيعيون لهم نزعاتهم الاجتماعية ومصالحهم الشخصية التي قد تجعلهم ينساقون وراء ها. فعندما يرى المواطن بأم عينه الاختفاء التدريجي للممتلكات العامة من أراض وعقارات أو توزيع لمشاريع زراعية أوغابات أومعسكرات كانت قائمة ويحوزها أفراد بحق أوبدون وجه حق، أو عندما تستحوذ الدولة باسم المنفعة العامة على تجمعات سكنية قائمة ومتكاملة بمنازلها وعقاراتها وطرقها و مدارسها ومساجدها كما حدث بسكان الهضبة الشرقية طرابلس وجزء من منطقة المنصورة , وسوق الثلاثاء طرابلس . فتقوم الدولة بإزالتها بغرض التطوير العمراني أو إقامة حزام اخضر وتقوم بتهجير سكان تلك المناطق إلى المجهول بعد أن تم اغراؤهم بتعويضات تعويضات هزيلة ، لتعيد تقسيم تلك الأراضي وتبيعها أو تستأجرها لشركات أجنبية بغرض الإستثمار، أو عندما تسيطر الدولة على جزء من الأرض لتقيم عليه مكبا للقمامة وتشغله بطريقة بدائية كما هو الحال بمنطقة سيدى السائح جنوب طرابلس فتجعل من يعيشون حوله لعشرات الكيلومترات يستنشقون الدخان السام ليعيشوا هم وأبناؤهم مرضى ومعلولين بقية أعمارهم ، أو عندما تضع الدولة يدها على أراض قبلية بالدواخل بحجة إقامة مشاريع زراعية أو مراعي عامة ثم تخصصها بعد مدة من الزمن لأفراد آخرين وتمنع سكانها وملاكها الأصليين من الانتفاع بملكياتهم الخاصة. عندما يحدث كل هذا أو بعضه، فإن هذا ليس من حق الدولة وإن كان بمبررات مصطنعة بقرارات استبدادية وغير مدروسة يصفق لها الكثير من الغافلين عن حقائق الحياة الواقعية فى بلادنا, بل ان هذه القرارات الاستبدادية بنزع الملكيات الخاصة تصادم المباشر مع الكثير من النصوص القانونية الواردة فى القانون الليبى و التى يعتقد مصدروا قرارت نزع الملكيات أنهم يستندون اليها,

ان الشريعة الاسلامية تقدس الملكيات الفردية الخاصة لجميع أفراد المجتمع بغض النظر عن دينهم أو انتماءاتهم العرقية, واستمرت هذه القداسة منذ الفتح الاسلامى لليبيا عام 23 هجرية 657 ميلادى وحتى فى عهود ماقبل العهد العثمانى الاول فى ليبيا كانت الملكيات تسير وفق ضوابط الشرعية الاسلامية , الى أن صدر القانون العثمانى الخاص بالاراضى عام 1858/ فى جميع مناطق الامبراطورية العثمانية,كما ان الفترة الاستعمارية الايطالية تعاملت مع نزع الملكيات الخاصة لأقامة مشروعاتها الاستيطانية فى ليبيا وفق مبدأ شراء الأرض ممن يملكها عن طريق شيوخ القبائل و العشائر,و ضمن الاعلان الدستورى للثورة الصادر سنة 1969 صيانة الملكية الخاصة , وصدرت مواد قانونية فى عدة قوانين تقدس الملكية الحاصة فى ليبيا, الا أن التطبيقات الفعلية على أرض الواقع تعاملت مع الملكية الخاصة بكل استهانة, وسهل من هذه الاستهانة تخوف المواطن من السلطات التنفيذية للدولة و غياب معرفته بنصوص القانون التى تحمى له ملكيتة الخاصة فى مواد عديدة, فعاثت اللجنة الشعبية العامة فى الارض خرابا جعل من مدينة طرابلس بالذات مدينة مليئة بخراب عمرانى تبعثر فى جميع انحائها بسيل عارم من قرارات نزع الملكية لأغراض المنفعة العامة, فدفعت بالمواطنين الى الحل و الترحال أكثر من مرة وهى تلاحقهم بأعمال الهدم و الازالة بعد أن بنوا مساكن عشوائية بالمبالغ التى ظنوا أنهم سيبنون بها بيوت أحلامهم..فلحقتهم قرارات ازالة جديدة فاضطروا الى الاعتراض مشتكين الى المحامين الذى أثبتوا أن القانون لايوفر سندا قويا لقرارات نزع الملكية الصادرة بحق من نزعت ملكياتهم..

هذه مقدمة لبحث متواضع لموضوع ملكية الأراضى فى بلادنا منذ العهد العثمانى الى يومنا هذا

تعريف الملكية و السيطرة و الاستعمال

الملكية هى (حوزة وتصرف) فى الارض و ماعليها من موجودات ثابتة فيها وفق

(سيطرة شرعية سواء أكانت هذه السيطرة قانونية أو عرفية طالما أنها لاتصادم نصوصا شرعية ثابتة) , فالقوانين والأعراف الاجتماعية لا تملك أراضى الأفراد ولكنها تسيطر على استعمالات الأراضى الافراد و الجماعات التابعة له أو الواقعة تحت حكمه بطريقة نافعة لاتتصادم مع ملكيات أفراد أوجماعات أخرى داخل المجتمع.

فملكية الارض لأصحابها سواءا أكانوا أفردا أو جماعة أو حكومة و السيطرة عليها للحكومة سواء أكانت هذه الحكومة فردا او قانونا أو عرفا اجتماعى و الاستعمال للجميع دون المساس بخصوصيات الافراد.

يقصد بالحاكم فى هذا البحث هو الفرد الحاكم سواءا أكان هذا الفرد ملكا أميرا أورئيسا أو شيخ قبيلة كما يمكن ان يعنى (الحاكم شرعا) العرف الاجتماعى أو التعاقد القانونى المتفق عليه أو الصلح بين المتخاصمين.

أصل ملكية الأرض وكيف امتلكها الناس؟

قال تعالى (ولله ملك السموات و الارض),قال تعالى ( ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين),(هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها)

) الذى له ملك السموات و الأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك وخلق كل شىء فقدره تقديرا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الارض أرض الله و العباد عباد الله فمن أحياء أرضا مواتا فهى له ,وليس لعرق ظالم فيها حق) اذا الأرض لله والانسان هو خليفة الله الذى يملك هذه الارض ويورث ملكيتها لمن يشاء من عباده. فللانسان الحق فى امتلاك هذه الارض باعمارها دون النظر الى دينه أو عرقه, وفق ضوابط الشريعة الاسلامية التى تقر كل القوانين الوضعية و الاعراف الاجتماعية التى لا تتصادم مع نصوص الشريعة الاسلامية التى تخص تقديس الملكيات و المواريث,وقد امتلك الناس من مختلف الاديان والأعراق الارض باحيائها أى بازالة مايمنع الانتفاع بها وذلك لتحقيق الاهداف التى تمكن الناس من العيش عليها و الكسب منها و الاستقرار فيها وفق شريعة الله فى هذه لأرض.وقد بدأت كل المجتمعات البشرية منذ بدء الخليقة بحيازة الأرض و التصرف فيها بمجرد احيائها بعد أن كانت (أرضا مواتا) أى بجعلها صالحة للحياة البشرية..

فماهى الأرض الموات وكيف يتم احياؤها وماهى فائدة احيائها!!! ؟

ولمن يثبت الحق فى امتلاك الارض الموات من الأفراد و الجماعات !!؟

وماهى أنواع ملكيتها وحيازتها و التصرف فيها!!؟

وهل يشترط اذن الحاكم فى احيائها!!؟

وهل للحاكم الحق فى نزع ملكيتها للمنفعة العامة!!؟

وماهى ضوابط نزع ملكيتها؟

احياء الارض الموات فى الشريعة الاسلامية

والأرض الموات هى الأرض التى لاتصلح لحياة البشر الا بعد ازالة مانع الاستصلاح فيها

و يشترط لكى تعتبر الارض مواتا ألا يكون منتفعا بها أحد قبل وضع اليد عليها وحيازتها لذلك يشترط كل الفقهاء أن تكون بعيدة عن العمران و المزارع بالقدر الذى يجعل من الصعب اعتبارها مرفق من مرافق العمران ويتحقق الاحياء بالبنيان أو الحرث أو غرس الاشجار أو حفر بئر أو شق نهر أو مجرى ماء أو ازالة عوائق احياء الارض التى كانت تمنع العمران لوجود عوائق تحول دون اعمارها.

والاسلام يدعو لاستصلاح الاراضى و عمارتها بالزراعة و البناء و غيرها من منطلق مقاومة تعطيل الثروات الطبيعية عموما و تجميد الاموال و حبسها عن مجال الاستفادة بها فالإسلام يرفض الاكتناز يقول الله تعالى " يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم و جنوبهم و ظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون و يقول تعالى " ويل لكل همزة لمزة الذى جمع مالا و عدده

فوائد احياء الارض الموات فى الاسلام:-

الاسلام يدعو للإحياء لفوائد عظيمة تعود على الفرد والجماعة و الدولة و أهما : _
1. استصلاح الاراضى وعمارتها بالزراعة أو إقامة المبانى أو المصانع تضيف إلى الاراضى الزراعية الموجودة مساحات جديدة تساهم فى إضافة محاصيل جديدة متنوعة تشبع حاجات الافراد و الدولة ,و لو أقيم عليها مصانع فإن ذلك يفيد الدولة و يجعل من الارض الموات مصدر انتاجى يأتى بمنتجات جديدة,و لو استخدمت فى البناء فإنه سوف يساهم فى حل مشكلة السكان و الاسكان فى الدولة .
2. استصلاح هذه الاراضى و عمارتها يتيح فرص عمالة متعددة فى كافة المجالات الزراعية و الصناعية و العمرانية فيكون الاحياء وسيلة لمكافحة البطالة .
3. تقرير حق الملكية لمن يقوم بالإحياء يوسع من دائرة الملكية بين الافراد لتشمل عدد كبير من افراد المجتمع و بالتالى يعم الرخاء و كل فقير و محتاج سيعمل فى هذه الاراضى بدلا من ذل الحاجة و المسكنة .
4. يهدف الاسلام أيضا من الاحياء ان تصبح اراضى الدولة الاسلامية جميعا عامرة فترد أطماع المغيرين لأن إحياء و عمارة الارض و سيلة لحماية املاك الدولة فى مواجهة أطماع الدول الاخرى .
5. من فوائد الاحياء أيضا انه يضيف مصدر جديد لايرادات الدولة حسب طبيعة الارض و بذلك يضيف إلى حصيلة الايرادات التى تعتمد عليها السياسة المالية الاسلامية .
6. الاحياء دعوة حقيقيه لتحسين مستوى معيشة الفرد و الجماعة فمن يحى الارض فله حق تملكها حسب الرأى الراجح للفقهاء و حق الملكية حافز لكل فرد للقيام بالإحياء و يترتب على ذلك تحسين المستوى المعيشى لكل فرد و للدولة و سيقضى على الفقر داخل الدولة .

لمن يثبت الحق فى ملكية أحياء الارض الموات؟
يثبت الحق فى الاحياء بعدة وجوه نذكر منها وجهين لاخلاف فيهما
الوجه الاول : أن يأتى الرجل الارض الميته فيحييها و يعمرها ثم يأتى رجل أخر فيحدث غرسا أو بنيانا فيستحق الارض وماعليها الرجل الاول الذى أحياها لأن الثانى يعتبر معتديا على حق من سبقه باحياء الارض,و يدل على هذا الحكم قول الرسول صلى الله عليه و سلم" من احيا ارض ميتة فهى له و ليس لعرق ظالم حق " فالرجل الثانى صار ظالما لأنه غرس فى الارض و هو عالم بانها ملك لغيره فصار بذلك غاصب فقال الرسول صلى الله عليه وسلم "من زرع فى أرض قوم بغير اذنهم فله نفقته و ليس له من الزرع شئ "
فمن قام بزراعة ارض سبق احياؤها فله ما انفق و تظل الارض ملك للأول الذى قام بالاحياء ابتداء .
الوجه الثانى : ان يقطع الحاكم لرجل ما أرضا مواتا لم تكن لأحد قبل أن يقطعها الحاكم فتصير ملكا لهذا الرجل فيتركها بغير عمارة لسبب ما فيراها غيره على تلك الحالة فيحسبها ( لا مالك لها ) فينفق عليها و يحييها بالغرس و البنيان ثم يخاصم فيها صاحبها الأول الذى منحه الحاكم أرضا مواتا لم تكن لأحد قبله ,و يدل على حكمها أن الرسول صلى الله عليه و سلم اقطع اقواما ارض فجاء اخرون فى زمن عمر رضى الله عنه فأحيوها فقال لهم عمر حين فزعوا إليه تركتموهم يعملون ثم جئتم تغيرون عليهم و كان حكم عمر اما ان يدفع من اقتطعت له الارض ما تكلفه من قام بالاحياء أو يدفع الثانى للأول ثمن الارض .

ماهو الحق الذى يثبت للفرد او الجماعة من عملية أحياء الارض الموات


هل لمن يقوم بإحياء الارض يكون له الحق فى استغلالها فقط أم يثبت له حق ملكية رقبتها ؟
جميع الفقهاء يقولون بأن الاحياء يرتب منه حق الملكية لمن قام بعملية الاحياء فالحدبث " من أحيا أرضا ميتة فهى له " فالحديث أضاف بلام التمليك فى قوله (فهى له )و إن كان هناك رأى آخر منفرد يرى أن عملية الاحياء لا تغير من ملكية الارض بل تظل الارض ملكا للحاكم أو لمن يوكله و لا يسمح للفرد بتملك رقبتها و ان احياها و انما يكتسب بالاحياء حق الانتفاع بالارض دون أن يتملكها . وهذا لاشك أنه رأى شاذ لايتحقق به عمران الارض فملكية الانسان جزء من ذاته فلايصح أن يفصل بين الانسان وملكية مايحصل به اعماره للارض والا لما كان الانسان حرا ولما عمر هذه الارض.

هل يشترط اذن الحاكم فى أحياء الارض الموات؟
أغلب الفقهاء يقولون بأنه من أحيا ارض مواتا فهى ملكه باذن الامام او بغير اذنه و دليل ذلك قول الرسول صلى الله عليه و سلم من احيا ارض موات فهى له دليل على ان ملكية الارض الموات تثبت بالاحياء وليس بإذن الامام و يرى أبوحنيفة انه لايجوز الاحياء إلا بإذن الامام لقول الرسول صلى الله عليه و سلم " ليس لاحد إلا ما طابت به نفس الامام " و بهذا الرأى أخذ ابو يوسف و قال فى تبريره أرأيت رجلين أرادا موضعا واحد فأيهما أحق به ..... و الراجح هو الرأى الذى يوجب ضرورة الحصول على اذن الامام (الدولة) و ترجع ضرورة اشتراط اذن الامام للقيام بالاحياء هو منع الخصومات و النازعات التى تقع بين الافراد ويتحقق القول الأول فى حال احياء ارض موات غير مملوكة لأحد و دون وقوع خصومة من أحد.

نزع الملكية للمنفعة العامة

هو أخطر إجراء يتعرض له المالكون من الافراد و الجماعات البشرية؛ لأن كل إنسان يتصور أن يبقى على ملك ما هو فى يديه ، وما سيحوزه في المستقبل. فالملكية جزء من الإنسان لا يمكن انتزاعها من بين يديه. وقد نصت جميع دساتير الأرض والاعراف الاجتماعية على حماية الملكية إن كانت خاصة أو عامة، وأحاطت الاعتداء عليها بالعقاب الشديد بل ان الحروب و النزاعات و الخصومات قامت عليها.

ولذلك فان أغلب دساتير الدول الاسلامية وغير الاسلامية اعتبرت حق الملكية الفردية من الحقوق المقدسة. وقد جاءت الشريعة الإسلامية حافظة للنفس و المال و الارض و العرض والشرف، ، لذلك اعتبر فقهاء الشريعة الإسلامية أن المحافظة على الملكية من الكليات الخمس في الشريعة الإسلامية. وقد امتلأت كتب الفقه والسيرة بالحالات الموجبة لنزع الملكية للمنفعة العامة كتوسعة المساجد، فقد كانت أولى الحالات التي استوجبت تدخل رسول الله ولى أمر الدولة الإسلامية آنذاك في ملكية الصحابة تبيانا لرعاية حقوق المسلمين من بعده . فالقاعدة العامة قي الشريعة الًسلامية أن حق الجماعة مقدّم على حق الفرد. وإذا كانت الشريعة الإسلامية أجازت نزع الملكية للمنفعة العامة فقد كان هذا البحث المتواضع في هذا الموضوع مع الاعتراف بقلة المراجع المعتمد عليها فيه رغم أهميته وتشعب موضوعاته واختلاطها، بالاضافة الى تشعب أحكامه و الخلاف فيه بين علماء الشريعة وعلماء القانون المدني والقانون العام, فعلماء الشريعة يرون أن أحكامهم تشمل أحكام القانون والأعراف الاجتماعية التى لاتعارض النصوص الشرعية كما أن الناس فى شئون الملكية و الاحوال الشخصية يتبعون الشريعة بارادتهم حتى فى غياب القانون وأهله أما علماء القانون فيرون ان القانون المدني يضمن بأحكامه مصالح عامةلم تواكبها أحكام الشريعة، و الموضوع بهذا الشيوع بين الفريقين لا يعالج العلاج الصحيح الكامل لأن كلاً منها لا يصيب كل أطرافه،لأن الحكام المسيطرون يميلون الى تطبيق أحكام القانون أكثر من ميلهم الى اتباع أحكام الشريعة التى غالبا مايرجع اليها الناس بعد زوال عوارض الحكم القانونى عليهم و أجل ذلك فنحن بحاجة إلى نظام متكامل ذا نظرة شاملة متماسكة بين أحكام الشريعة و القانون فيما يخص ملكية الأرض فى بلادنا . وهذا ما جرت محاولة بحثه فى هذه الورقة.

أول بداية لنزع الملكية للمنفعة العامة فى الاسلام

ثبت في الصحيحين من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين} وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم زاد المسجد بعد فتح خيبر حتى أصبح مائة ذراع في مائة ذراع وكانت تلك الزيادة تكفي لحاجة المسلمين في ذلك الوقت . فكيف انتزع النبي صلى الله عليه وسلم ملكية ما اعترض من الدور في هذه الزيادة ؟..... ورد أن رجلاً تقع داره في شمال المسجد شملتها الزيادة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أتتصدق بدارك على المسجد ولك بها دار في الجنة فأبى هذا الرجل فجاء عثمان بن عفان رضي الله عنه وظل يساوم هذا الرجل في داره ويغريه حتى اشتراها منه بعشرة آلاف درهم ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له يا رسول الله أتقبل مني الدار بالثمن الذي أعطيته لصاحبها فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار في الجنة .

وقد استمرت الدولة الاسلامية فى تطبيق أحكام الشريعة فيما يخص امتلاك الاراضى و بيعها و التصرف فيها الى نهاية العهد العباسى وبداية عصر الدويلات و المماليك.



ملكية الأراضى فى ليبيا قبل العهد العثمانى

الكثير من المراجع التاريخية شبه المحايدة تؤكد أن وضع المسلمين قبل انضمامهم للخلافة العثمانية كان سيئا جداً فليبيا مثلا كانت محتلة من قبل الأسبان ومعظم البلدان العربية والاسلامية الأخرى كانت تدار من المماليك والدويلات أو الإمارات القبلية القزمية التي تعيش في حالة حروب دائمة وتخلف متنامي وبعد سيطرة الدولة العثمانية أنشئت فى ليبيا وفى غيرها من البلدان العربية والاسلامية المحاكم الشرعية فى المدن ونظمت الإدارة كالبريد والأملاك وأقامت المباني والمستشفيات والمستوصفات بالحواضر الكبيرة وجلبت المياه وحفرت الابار ومكنت الكثير من أبناء البلاد من المشاركة في الإدارة تحت حكمها فكان منهم مديرو النواحي والقايمون مقام الدولة والمتصرفون وضباط الأمن والجند وشيوخ القبائل الموالون للدولة .
وقد امتلك الناس فى ليبيا الارض اما بالشراء ممن سبقهم اليها بالاحياء واما بميراثها من أب او جد او قريب أو هبة من قبيلة أو عشيرة أو باحياء أرض موات لم تكن مملوكة لأحد بالبناء أو الزراعة أو الاستقرار فيها وعند الخصومات والمنازعات كان الناس يتصالحون عرفا واما أن يرضخ الناس فى حال الغلبة للغالب بمقابل يرضي به الخصم المنازع ويمكن كلا من المتخاصمين من الاستقرار بهدوء فيها ويعترف كل منهما بحق الآخر فى تملك ما حاز من أرض , وقد استمر هذا الوضع حتى منتصف العهد العثمانى,وكانت هذه الاوضاع السائدة ملكية الأراضى فى ليبيا الى منتصف العهد العثمانى الثانى.

أنواع الأراضى و ملكياتها بعد منتصف العهد العثمانى الثانى :

أصدرت الدولة العثمانية قانونا للأراضي عام 1858م ثم تبع ذلك إصدار العديد من القوانين اللاحقة فأصدرت لائحة تعليمات بحق سندات الطابو عام 1859م ثم نظام الطابو في نفس العام ثم إعلان قانون الطابو عام 1861م، وملحق نظام الطابو عام 1867م، ويمثل الطابو حاليا ( مصلحة التسجيل العقارى) كما صدر نظام تملك الأجانب عام 1869م، وبموجب هذا القانون. قسمت أراضي الدولة العثمانية سواءا فى ليبيا أو غيرها من البلدان العربية و الاسلامية آنذاك إلى خمس أقسام :
أولا : الأراضى المملوكة

وهي الاراضي المملوكه ملكية خاصة والتي يتصرف بها صاحبها كيف شاء كما يتصرف بالمنقولات فله رقبتها وكافة حقوقها ويجوز له بيعها او رهنها او الايصاء بها كما انه يورثها لورثته الشرعيين فلا تعود إلى بيت المال بعد وفاته إلا إذا لم يوجد احد من ورثته .

ثانيا : الأراضى الأميرية أو مايعرف ( بالميرى فى ليبيا))

وهي الأراضي التي تعود ملكيتها لبيت المال وتشمل الأراضي الزراعية والمحاطب والمراعي والغابات وماشابه ذلك من ذات النفع، وكان يتصرف بها بإذن وتفويض من أصحاب الزعامة والثيمار، وأحيانا كان يستفاد من تلك الأراضي بإذن وتفويض من المحصلين والملتزمين إلا أن هذا الحق ألغى وأصبح التصرف بها بإذن من مأمور من قبل الدولة أي أن الدولة أصبحت الجهة الوحيدة المخولة بتحديد التصرف بهذه الأراضي فتبيع منها ما تريد بموجب سند طابو، وبين قانون الأراضي كيفية التصرف بالأراضي الأميرية فقد منع إحالة جميع أراضي قرية أو قصبة إلى هيئة جماعية أو إلى شخص أو شخصين بل تحال الأراضي لكل شخص من الأهالي بمفرده وتعطي سندات طابو لكل شخص مبينة فيها كيفية التصرف بالأرض، ويحق للمتصرف بالأرض الأميرية أن يزرع بها ما يراه مناسبا في مجال الاستثمار الزراعي ويمنع من زراعتها كروما أو أشجار مثمرة، كما لا يحق له وهبها للوقف دون إذن من الدولة، ووضع قانون الأراضي نصوصا تضمن عدم إهمال الأراضي الأميرية من قبل المتصرف بها وذلك بإبطال حقه في التصرف بها في حالة عدم تسديد الضرائب والرسوم عنها، وعدم زراعتها وفلاحتها لمدة 3 سنوات متتالية .

ثالثا: أراضى الوقف

وكانت معظم أراضي الأوقاف في العهد العثماني خلال القرن السادس عشر الميلادي وذلك خلال حكم السلطان سليمان القانوني وكانت تتكون بداية من الأراضي الأميرية التي حددها السلطان سليمان وما تبعه من سلاطين بالإضافة إلى الأراضي التي خصصها بعض الأغنياء أو الأراضي التي أوقفها بعض الفلاحين وخاصة بعد صدور التنظيمات للتهرب من دفع الضرائب والرسوم .

وقد عانت أراضي الأوقاف خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر من الفوضى والفساد الذي لحق بأجهزة الدولة بشكل عام فقد تسلم إدارة الأوقاف أشخاص غير مؤهلين لذلك، فحاولت الدولة الحد من هذه الفوضى والفساد وذلك بأن أصبحت المسؤول المباشر عن أراضي الأوقاف، ومع ذلك استمر الفساد وحال دون تطبيق هذه الإجراءات نتيجة لإهمال القائمين على الأوقاف إذ قام الكثير من النظار بتحويل أملاك الأوقاف إلى أملاك خاصة وتسجيلها في سجلات التمليك ملكا لهم ثم انقلبت لورثتهم ولمن ابتاعها منهم وكان كل ذلك يتم بمعرفة دائرة الأوقاف .


رابعا: الأراضى المتروكة

وهي الأراضي التي ترك حق الانتفاع بها لعامة الناس أو لأهالي قرية أو مجموعة قرى وقصبات تكون مشتركة فيها وقسمت الأراضي المتروكة وفق قانون الأراضي العثماني إلى قسمين :

1-الأراضي المتروكة لعامة الناس كالطرق والأسواق العامة والساحات والمسطحات المائية من بحار وبحيرات وأنهار وعيون ومجاري سيول الأودية وغير ذلك مما ترك لاستخدامات الناس .

2-الأراضي التي تركت لأهالي قرية أو قصبة أو التي تركت لأهالي عدة قرى وقصبات كالمراعي والبيادر والمحتطبات .

وبين قانون الأراضي كيفية استخدام الأراضي المتروكة إذ لا يحق لأي شخص أن يحدث أبنية أو يغرس أشجارا في الأماكن العامة المتروكة لعامة الناس دون اذن الدولة ومن كان يقوم بذلك يهدم البناء ويقلع الشجر وذلك لأن التصرف في هذه الأماكن يعتبر تصرفا في ملك الدولة العام دون اذنها ، ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في الخليل عام 1890م حيث أجبرت الحكومة رئيس بلدية الخليل عبد الله المحتسب على هدم ثلاثة دكاكين كان قد أقامها لنفسه في ساحة محله القزازين في المدينة .
خامساً الأراضى الموات
وهي الأراضي الخالية والبعيدة عن العمران وليست بتصرف أحد والتي لم تترك ولم تخصص لأهالي القرى والقصبات كما أنها لم تكن بتصرف أحد بالطابو كالجبال وتبعد عن أقصى العمران مسافة ميل ونصف الميل أو نصف ساعة سيرا على الأقدام بحيث لا يسمع فيها صيحة الرجل الجهير الصوت .


وسمح قانون الأراضي العثماني بإحياء هذه الأراضي من قبل الناس شريطة موافقة الحكومة على أن يكون إحياؤها في مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات وإذا لم يستصلحها خلال هذه المدة تؤخذ منه وتعطي لشخص آخر، أما إذا أحيا رجل أرضا مواتا بإذن الحكومة فعليه دفع بدل الطابو أى مصاريف تقييمها فى السجل العقارى) .

النشاط الزراعى فى الاحتلال العثماني ودوره فى تمليك الأراضى فى ليبيا :

كانت الدولة العثمانية تعتمد اعتماداً كبيراً في دخلها على الاراضى الزراعية من خلال ما تفرضه من ضرائب إلى جانب ما تحصل عليه من غنائم وفيرة أثنا حروبها غير أن الغنائم المجزية والضرائب المتعددة التي كانت تفرض على البلدان المهزومة والخاضعة قد أصبحت محدودة عقب أن صارت معظم حروب الإمبراطورية العثمانية ذات طبيعة دفاعية مما عمل على إيجاد هوة واسعة بين موارد الدولة من ناحية وتعهداتها من ناحية أخرى مما عمل على الاعتماد الشبة الكامل على الزراعة فعملت على إصدار عدة قوانين ولوائح بولاية طرابلس، كان الهدف منها إعادة تنظيم الزراعة في البلاد على ضوء ماشاهدته من بزوغ عصر التنظيمات العثمانية والإصلاحات الخيرية وعلى سبيل المثال قانون الطابو عام 1858م الخاص بتسجيل الأراضي فى ليبيا وبيعها وشرائها للمواطنين من الدولة العثمانية مقابل مبلغ معين من المال نظير سند رسمي وعملت على إدخال أنواع جديدة من المحاصيل (كبطاطا، والبن، والسمسم، والقطن، والبرتقال، والتوت، وأشجار الغابات مثل الصنوبر والصفصاف مع الاهتمام الكبير بأشجار النخيل والزيتون واللوز والتين والعنب والشعير
وذكر دور العثمانيين فيما يتعلق بالنهوض بمرفق الزراعة بطرابلس الغرب الذي يتجلى في عدة مجهودات منها :
1-الاهتمام بالتعليم الزراعي .
2-إنشاء قرى زراعية جديدة .
3-عمل حدائق عامة بالمدن وزراعتها بأنواع الأشجار والزهور .
4-المشاركة في إقامة المعارض الدولية .
5-غرس أشجار الزيتون والنخيل .
6-زراعة أشجار البرتقال والتوت والعنب والبن والقطن إلى جانب بعض النباتات الأخرى مثل السمسم .
7-الاهتمام بالنباتات البرية الطبية مثل الزعفران والصبغة والغاسول .
8-حفر الآبار .
9-إنشاء مصرف زراعي وإقامة السدود المائية في مجاري بعض الوديان .

فالزراعة قد وصلت إلى درجة لأبأس بها إبان نهاية حكم الأتراك العثمانيين لليبيا وقد استفادت ايطاليا فيما بعد بما أدخلته من تحسينات على وسائل الإنتاج الزراعي وأنواع المزروعات .

الطبيعة الصحراوية تستحوذ على معظم الأرض الليبية , فنسبة الصحراء إلى المساحة 95 % ونسبة المزروع فعلا من الخمسة في المائة الباقية ـ وحتى سنة 1965 م ـ هي نصف في المائة فقط .

هذه الطبيعة فرضت نمط إنتاج معين يتمثل في مجمله في الرعي والزراعة الموسمية باستثناء الشريط الساحلي الضيق الذي كان يضم زراعة مروية مستقرة , ويحتوي أيضاً علي المراكز المدنية .

تمت محاولة اصلاح وتنشيط قطاع الزراعة ابتداء من جهود على رضا باشا في عام 1866 م بعملية زراعة الآلاف من الأشجار في منطقة سيدي المصري . وبعد إصدار قانون الأراضي 1858 , الذي ينص على الملكية الفردية للأراضي وتسجيلها عقاريا ولا يخفى ما له من دلالة في العمل على كسر إطار الملكية القبلية كمؤسسة اقتصادية وسياسية واجتماعية وعلى التأكيد على ملكية الأفراد برغم كل ما يقال عن محدودية تطبيق هذا القانون في هذه الولاية .

وفى العهد العثماني الثاني تغيرت طبيعية التمردات المحلية باكتسابها مطالب محلية أو جهوية خاصة في هيئة مطالبات علنية وبشكل مباشر في حين كانت من قبل تفهم ضمناً باعتبارها مكافأة من الوالي حين تنصره قبائل معينة في صراعه مع وال أخر . لقد تركز المطلب الأساسي لهذه التمردات في ضرورة وجود حاكم محلي من السكان الليبيين يكون نائباً للوالي في الداخل , ولذا فقد تم تعيين نواب ليبين للوالي , كما فعل حسن باشا 1837 م , ثم على عسكر باشا الذي ثبت اتفاق خلفه مع المتمردين وأزال منه الشروط المجحفة الخاصة بدفع أموال عن الفترات السابقة لتوليهم النيابة , وكذلك محمد راغب باشا الذي عين على منطقة الجبل الغربي نائبا له من أتباع غومة المحمودي .


شمل نظام ملكية الأراضى في القرن التاسع عشر أنواعًا عدة فى ليبيا العثمانية . قانون الأراضى العثماني الصادر في عام 1858 شمل أراضى الميرى التى هى أراضى مملوكة

للدولة وضعت تحت تصرف شيوخ القبائل و العشائر الموالين لها أو الممثلين لها واعتبرتهم الدولة ملاك أراضى فى الأقاليم وجندت لهم جنود السباييس . وهؤلاء لهم حق جمع الضرائب من الفلاحين وبالمقابل يقومون بإعداد الجنود وعدتهم في حالة الحرب، ولهم أيضا حق إبقاء جزء من الضرائب لأنفسهم .

الا ان قانون عام 1858 الخاص بملكية الأراضى عكس تحولات اقتصادية بدأت تقوى فى داخل الدولة تم فيها التركيز على الملكية الفردية للاشخاص وتسجيل الأراضى من قبل السكان المحليين . .

ف الملكية الخاصة في القانون العثمانى فى ليبيا تعطى الحق لعائلة أو فردًا الحق في الملكية الشاملة أو حق الاستعمال والتصرف . بعبارة أخرى، حق استغلال الأرض وبيع وشراء الأرض .و هذا النمط وجد في المناطق الزراعية المستقرة فى الجبل الاخضر و الشريط الساحلي من بنغازى الى مصراتة وانتهاءا بزوارة غربا وفى مناطق طرابلس المدينة لم يتجاوز حدود منطقة المنشية جنوبا حيث كانت قبائل عكارة و ورشفانة و الرقيعات و العلاونة خارج حدود مناطق الزراعة فى طرابلس كما شمل تطبيق القانون و تسجيل الأراضى مناطق الجبل الغربى من وازن غربا الى الخمس شرقا مرورا بمناطق الجبل الكبرى كنالوت و جادو ويفرن وكاباو وغريان وترهونة و بنى وليد ومسلاتة وكل القرى الصغرى المحيطة بكل من مناطق الجبل الكبرى كما شمل واحات الصحراء و مناطق الحمادة وفزان و واحات الجفرة و الكفرة،

ففى هذه الأراضى نجد الطابع الغالب لاستغلال الأرض، إمّا العمل الفلاحي العائلى أو . لم توجد ملكية أراضى كبيرة في القرن التاسع عشر إلا في حالات معدودة في طرابلس، ولكن نجد نمط كبار ملاك الاراضى في فزان، إذ غالبًا ما نجد طبقة تجار / ملاك أراضى يؤجرون أراضيهم لفلاحين مقابل نسبة من الانتاج نجد هذا الطابع في فزان في بساتين ومزارع النخيل التى زودت الولاية بمعظم حاجاتها من التمور .

النمط الثاني لملكية الاراضى فى ليبيا العهد العثمانى هو الأرض المملوكة من قبل الدولة، الميرى الدولة لها حق التصرف في هذه الأراضى ولكن الدولة عادة ما تعطي الأفراد الذين لهم حق الا ستغلال أو الاستعمال حق الملكية بعد زمن معين من دفع الميرى.

الا ان الطبيعة الصحراوية وغلبة التكوينات القبلية فى ليبيا قللت من فرص ظهور هذا النمط للملكية، و بنهاية القرن التاسع عشر أجرت السياسة العثمانية خصوصًا في المنطقة الغربية من ليبيا، تحولات جديدة في نظم الملكية المعروف ( بالميرى) نقلت فيه الملكية ببيع أراضى( الميرى) التى كانت تحت سيطرة الدولة الى شيوخ القبائل والأفراد خاصة عندما أحست الدولة العثمانية بضعف نفوذها وقلة مواردها الاقتصادية وبداية العصر الاستعمارى الاوروبى على مناطق نفوذ الامبراطورية العثمانية.

أما النمط الثالث للملكية الشائع فى الامبراطورية العثمانية هو الوقف الإسلامى، أو الحبس كما هو يعرف في المغرب الاسلامي . الوقف او الحبس هو أرض يوقفها المالك الخاص بناء على وصية أو وقفية لخدمة مسجد أو مدرسة، أو ضريح . هذا الوقف يبين مدى مرونة الفقه الاسلامي في مواجهة تجاوزات الدولة على الملكية . حيث إن اراضى الوقف مملوكة للدولة خاصة في المدن ولا سلطة للدولة من الناحية النظرية عليها، بعبارة أخرى وجدت الطبقة التجارية الحضرية في نظام الوقف الإسلامي وسيلة لمواجهة سلطة الدولة في تأميم ممتلكاتها وأراضيها ولكن أراضى الوقف لم توجد فقط في المناطق الحضرية والواحات في طرابلس وفزان بل أيضا في دواخل خاصة فى برقة لدرجة أن أراضى زوايا الوقف السنوسية كانت تشمل 600.000 هكتار في بداية القرن العشرين .

النمط الرابع للملكية هو الأرض المتروكة، وهي الأرض العامة المملوكة من قبل الدولة ولكن تركت لاستعمال قرية أو قبيلة . ولكن القبائل الليبية نظرت إلى أوطانها وأراضيها كملكية شاملة وليس للدولة حق فيها . أراضى المراعي ملكت من قبل القبيلة بشكل جماعي، ولذلك ليس من حق أي فرد في القبيلة بيع هذه الأراضى، دون اجماع بقية أعضاء القبيلة .
حاولت حكومة الولاية تطبيق قانون الأراضى فى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وشجعت الأفراد على تسجيل الأراضى بشكل فردي .

تشجيعا للملكية الفردية ، لأن جمع الضرائب في الماضى ذا الطابع الريعي كان علي كل قرية أو قبيلة كجزء من الانتاج وليس بالضرورة دفعها بالعملة أما القانون الجديد فقد ركز على المسؤولية الفردية وبالتالى التخلص من الوسطاء في جمع الضرائب من الشيوخ والسباييس . كما ألغى القانون الجديد امتيازات المرحلة السابقة للعهد العثمانى الثانى مثل إعفاء قبائل الاشراف والصلحاء والكرغلية والأعيان من دفع نسبة من الضرائب أو كل الضرائب .

وقد نجحت الدولة العثمانية فى تطبيق هذا القانون فى طرابلس الغرب و المنطقة الغربية ولكن كان تطبيقه محدود التأثير في الدواخل . وخارج مدن برقة، نظرا لاعتبارهم أن تدخل الدولة العثمانية فى اراضيهم غير مشروع لأن خصوبة أراضى طرابلس كمركز للولاية ليست مثل خصوبة أراضى الدواخل , لهذا فاننا نجد ان نظام ملكية الارض فى ليبيا فى هذه الفترة عبارة عن مزيج من قانون عام 1858 الخاص بملكية الاراضى وأعراف ملكية الأراضى المتعارف عليها بين القبائل.
استمر الغزو العثماني العسكرى للقبائل التى رفضت السيطرة العثمانية على أراضيها وحاولت الحفاظ علي استقلالها الطويل عن السلطة المركزية فظهرت ثورة غومة المحمودى بالجبل الغربى و عبد الجليل سيف النصر بفزان وبعد هزيمة المحاميد بدأت الدولة العثمانية في تقوية السلطة المركزية عن طريق تشجيع تسجيل الأراضى والاستقرار بدل الترحل . اثمرت هذه السياسة ظهور طبقة من الأعيان وشيوخ القبائل الذين اندمجت مصالحهم في الادارة الوجوه الجديدة وعينت الدولة البيك و المتصرف و القائم مقام بكل منطقة سيطرت عليها وشيوخ القبائل والأعيان الأراضى بأسمائهم، ولذلك سجل العديد من رجال القبائل فوجد الكثير من الأفراد العاديين وبعض القبائل الضعيفة أنفسهم فجأة بلا أراضى فاضطروا للهجرة من مناطقهم الى ساحل طرابلس ومصراته أو إلى جنوب تونس للعمل في مزارع العنب . التى بدأ الاستعمار الفرنسي في اعدادها .

ويلاحظ فى هذه الفترة منطقة الساحل والمنشية والجفارة وقماطة الساحل ومسلاتة و الجبل الغربى بداية ضعف العلاقات القبلية وبقاء العائلة كوحدة مهمة بنهاية القرن التاسع عشر . لكن هذه التغيرات الأقتصادية لم تؤثر في تركيبة قبائل القبلة كقبائل ترهونة و ورفلة وقبائل الحمادة الحمراء التى ظلت مثل قبائل برقة خارج تأثير هذه السياسة الاقتصادية الجديدة التى تقضى بتشجيع تسجيل الاراضى للافراد .

ملكية الأراضى فى العهد الاستعمارى الايطالى
دخل مصرف (بنك روما)الى ليبيا بوكالة عن طريق استخدام أحد الايطاليين المقيمين فى ليبيا ففي 27 مايو 1907م أصدر ثلاثة من مسؤولي مصرف (بنك روما) من بينهم أرنستو باتشيللي – توكيلاً إلى المدعو أنريكور شياني كوكيل مفوض وسجلت هذه الوثيقة في السجلات العامة بروما في المجلد 275 بتاريخ يونيو 1907م وصدقت عليها وزارة العدل الايطالية ووزارة الخارجية الايطالية ثم قنصل الدولة العثمانية في روما. وبموجب نصوص هذه الوكالة يقوم الوكيل المفوض بما يلي :-

1- شراء الاراضي للمصرف والأراضي الصلحة للزراعة في كل من طرابلس وبنغازي، وان يدفع مقابل ذلك السعر الذي يراه مناسباً، وله أن يقبل سندات التمليك والمستندات التي تثبت خلو العقارات من أي قيد أو التزام كرهن أو قسمة أو تأجير .

تعيين سعر الفائدة ووضع الشروط اللازمة لرهن الاملاك . 2-

3-الاتفاق مع الراهنين في أن يحل محلهم في الرهنيات، وله أن يحدد الشروط ويقدر المبالغ التي يدفعها للراهنين .

4-تنظيم وتحير كل الأوراق الرسمية في حدود القانون، وذلك حسبما يلزم لاجراء المعاملات المذكورة .

5-منح الموكل للوكيل بالاضافة إلى ما سبق صلاحيات غير محددة بصفته وكيلاًمفوضاًله مطلق التصرف .

و ما أن شرعت إيطاليا فى غزو ليبيا حتى باشرت بإصدار القرارات والقوانين المتعلّقة بهذا الإستيلاء ونذكر منها :الأوامر العسكريّة بتاريخ 24 يوليو 1912 و27 أبريل 1912 و 16فبراير 1913 بتصفية أصول المصرف العثماني الزراعي في طرابلس الغرب وبرقة وتحويلها الى بنك إيطاليا وبنك سيشيليا ثمّ لصناديق الإدّخار التي أُنشئت لتمويل المستعمرين الأوائل. وفي بداية عهد الجنرال فولبي 1922 تضخّمت الأراضي المصادرة،بموجب عملية شراء شكليّة وقسريّة لجزء كبير منها بنزع ملكيتها للمنفعة العامة لأقامة مشروعات الزراعة و العمران للدولة الايطالية الاستعمارية . امّا الأراضى الكبيرة التى سجلت بأسماء زعماء القبائل والأعيان بمناطق الدواخل لقاء ولائهم للدولة العثمانية فكانت تّنزع ملكيّتها ويُجبر شيخ القبيلة أو من ينوب عنه على البيع مباشرة أو بوكالة الورثة عن الأرض التى كانت مسجلة بأسمائهم "تنفيذا لنظريّة أملاك المتمرّدين وأقربائهم الذين رفعوا السلاح في وجه الجيش أو عرقلوا عمليّاته في حركة الإحتلال" كما أثبت بادوليو حاكم عام ليبيا في تقريره . وما أن جاء عهد بالبو عام 1933 بعد ان صدرت أحكاما بالعفو على بعض ممن تسموا بالمتمردين فتم تعويضهم مقابل أراضيهم التى صودرت منهم قبل انقلاب موسيلينى وبدأ بالبو حاكم ليبيا آنذاك بعدها بجلب المستوطنين ضمن برنامج التوطين لمليون مستعمر،حتى بلغت مساحة الأراضي المنزوعة ملكيتها بالشراء القسرى أكثر من نصف مليون هكتارا،إزدادت حتى بلغت 1938 ما مساحته 738,316 هكتارا في جميع أنحاء ليبيا ،ومن ثمّ وصل عدد هؤلاء الوافدين حتى عام 1940 تاريخ بدأ إندحار إيطاليا في الحرب،إلى 108,405 (معمّرا) . بينما لم يتجاوز عدد السكّان الليبيين– بما فيهم الرّعاة- 800,223 نسمة،حسب،إحصاء الكتاب السنوي (للمعهد الفاشيستي لإيطاليا الأفريقيّة) للعام 1940 .

ملكية الأراضى فترة الانتداب الانجليزى1942-1969م

استقرت الأمور بعد الحرب العالمية الثانية و خسرت ايطاليا الحرب و خرجت الحكومة الفاشية من ليبيا و بقى المعمرون الايطاليون فى المزراع و المدن الليبية بلا حكومة تحميهم وأصبحت ليبيا تحت الانتداب الانجليزى, فأحس الكثير منهم بالخطر فبدأوا ببيع الأراضى و المزارع و العقارات لليبيين وقد تم تاسيس البنك الزراعى والصناعى فى الخمسينات وقد ساهم فى تقديم القروض للمزراعيين والصناعيين الليبيين لشراء المزارع والمصانع من المعمرين الايطاليين وقد ظهرت فى بدايات الخمسينات تقسيمات داخل حدود سور المدينة طريق السور منها تقسيمات سيدى خليفة و المنصورة و فشلوم و النوفليين القديمة ثم بدأت مؤسسة دوكسيادس اليونانية بأعداد المخطط الشامل للمدن و القرى الليبية فى منتصف الستينات و ظهرت بعض المشروعات الاسكانية العامة للموظفين فى أراضى الدولة كما تاسست البنوك التجاريه الحكوميه وكذلك الاهليه والمساهمه التى أنشأت بعد أكتشاف النفط

فكان لها تأثير كبير فى حركة العمران و الاستثمار العقارى و تملك الأراضى كما سيأتى تفصيله....

ملكية الأراضى بعد أكتشاف النفط

أحدث أكتشاف النفط تغييرا اجتماعيا أخذ شكل الحداثة دون التغيير فى التكوين الاجتماعى للأفراد ، فبعد ان تكونت فى ليبيا بعض المؤسسات المصرفية منذ العهد العثماني الأخير، وأثناء فترة الاستعمار الايطالى ، تكونت فى مناطق الساحل وخصوصا طرابلس بعض مفاهيم الاستثمارات العقارية لدى بعض الليبيين الاان أغلب أفراد المجتمع الليبى ظلّت تقليدية، رغم وجود التغييرات السياسية و الاقتصادية فى المجتمع الليبى منذ بدايات الدولة الليبية فى الخمسينات ووجود خطة للتغيير، إلاّ ان ميزانية الدولة لم تكن تسمح بذلك ، فقد كانت دون 10 مليون دولار. ان التخطيط للتنمية كان جيدا رغم عدم وجود الأموال اللازمة له، وحين توفّرت الأموال، تم توظيف عائدات النفط لتحديث المجتمع بالشكل المادي ، وظهر ذلك من خلال التخطيط للبنية التحتية والخدمية "أي الطرقات والمباني والمدارس والجامعات والمستشفيات وغيرها من المرافق الخدمية"، فارتفعت نسبة الراغبين فى تعليم أبناءهم فتحولوا بشكل مفاجىء من البادية الرعوية الى المدينة دون المرور بمرحلة الحياة الزراعية رغبة منهم فى العمل أولا فانتقلوا عزابا ثم كونوا أحياء متعددة من أكواخ الصفيح داخل أراضى المناطق العمرانية و على حدودها، تاركين حياة البداوة و الرعى والزراعة البعلية الموسمية , وقد ساهم انخفاض معدّلات الوفيات بين الأطفال فى زيادة السكان نسبيا فارتفع عدد المهاجرين للعمل بشكل كبير جدا خاصة بمدينة طرابلس و بنغازى، وقد تم تاسيس البنك العقارى الليبيى لتقديم القروض العقاريه لتمكين المواطنين من بناء مساكن خاصة داخل المخططات العمرانية المعتمدة فى الستينات بعد شراء بعض المستثمرين الليبيين الأراضى والمزارع فى طرابلس من المعمرين الايطاليين وتحويلها الى تقسيمات معتمدة بترخيص من السلطات الحكومية فظهرت الاحياء الشعبية لحل مشكلة أحياء الصفيح التى انتشرت بشكل كبير جدا لعشرات الالاف من الاسر المهاجرة للعمل وتعليم أبنائها من مناطق الدواخل فأوجدت التقسيمات الشعبية مثل غوط الشعال و قرجى و الدريبى و الشارع الغربى وقدح و أبوسليم و الهضبة الخضراء .

كما زادت على وجه الخصوص الاموال المستخدمة في المضاربة على شراء العقارات وعمليات البناء . وكان ذلك استجابة لطلب الاجانب على المساكن الفاخرة والفيلايات .

عمد رجال الاعمال ، واصحاب رؤوس الأموال خلال هذه الفورة المالية ، الى شراء الاراضي الزراعية والبساتين فتحولت الى مساحات سكنية لموظفي شركات النفط نتيجة لزيادة الطلب على السكن، فترتب على ذلك تحول المساحات الكبيرة من الاراضي الزراعية التي كانت تنتج المواد الغذائية والخضار والفاكهة الى عمارات سكنية وفيلات فخمة . وترتب على هذا الامر نقص كبير في انتاج المواد الغذائية الاولية ، وشجع ارتفاع سعر الأراضى النقص الحاد فى عمال الزراعة الكثير من المزارعين على بيع مزارعهم والانتقال الى المدن فقد هاجر عمال الزراعة الى المدينة للعمل فى الميناء و فى مجال البناء والحراسة وفى شركات النفط و التجارة والنقل وغيرها حيث الاجور المرتفعة اضافة الى توفر فرصة تعليم أبناءهم فى مدارس المدينة .

ملكية الأراضى بعد الثورة 1969

إعدت بعد الثورة 4خطط للتنمية الأولى 1972- 73 ف , بعدها شهد المجتمع الليبي ثلاث خطط للتنمية وهي :

الخطة الثلاثية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية 73 -74 ف .

خطة التحول الاقتصادي والاجتماعي 76- 80ف

خطة التحول الاقتصادي والاجتماعي 81-85ف

شهدت السنوات الأولى من عمر الثورة توزيع المزارع المنتجة التى كانت تحت تصرف بقايا المعمرين الايطاليين بشكل عفوى على المواطنين البدو الذين كانوا يعملون فى هذه المزارع بالأجر اليومى,وغالبيتهم كانوا يعيشون حياة بدوية فى الخيام تعتمد على الرعى فانتقلوا بمفاهيمهم الرعوية وحيواناتهم الى مزارع كبيرة مشجرة و منتجة وهم على غير دراية بالعمليات الزراعية المتنوعة لهذه المزارع المنتجة على طول العام ,اضافة الى ادخالهم أكبر آفة الى المزارع وهى قطعانهم الكبيرة من الضأن والماعز الذى خربت بها البيئة الزراعية لهذه المزارع المنتجة خرابا كبيرا... ونتيجة للغفلة عن الضوابط القانونية للبناء فى هذه المزارع فقد انتشرت فيها البناءات العشوائية المتناثرة لورثة صاحب المزرعة الجديد فقسمت الوحدة الزراعية حصص ميراث شرعى دون اعتماد القاعدة الشرعية فى الميراث (لاضرر ولاضرار) التى كانت تمكن الدولة شرعا وقانونا من منع الورثة من تقسيم الوحدة الزراعية, انما تدفعهم الى بيعها لتقسيم الميراث وبهذه الطريقة تحفظ الوحدات الزراعية من التقسيم بالميراث ,كما تساهم فى عدم ارتفاع أسعار الوحدات الزراعية نتيجة لتقسيمها فتمنع بذلك تسرب العمران اليها مع تقدم الزمن .......كما ساهمت خطط التنمية الثلاث المتلاحقة هى الأحرى على تقويض أراضى البيئة الرعوية التى كانت مفتوحة للرعى المتعارف عليه بين الجميع فى الاراضى القبلية والاراضى الموات و الأراضى المتروكة خاصة فى مناطق الجبل الغربى و ترهونة والخمس فتحولت مناطق الرعى التى كانت تمتد لعشرات وعشرات الكيلومترات الى مزارع مسيجة ليست لها اى جدوى اقتصادية وليس لها أى انتاجية زراعية ذات نفع,بل أنها صارت مراعى خاصة للمنتفعين بها من الرعاة البدو الذين لم يتركوا ولا يتركوا ولن يتركوا تربية قطعان الضأن و الماعز فى هذه المزارع حتى لو كانت منتجة, لأنهم لايملكون ثقافة الفلاحة والزراعة أنما هم متشبثون بثقافة الرعى وتربية الحيوانات فكان من الخطأ الفادح اقامة هذه المشاريع أصلا لسببين أولهما انها غير مجدية زراعيا وثانيهما انها وزعت على مربين أغنام,,,فحتى لو كانت مجدية زراعيا فكانت ستلقى نفس مصير مزارع المعمرين الايطاليين التى كانت منتجة فعلا...... وزيادة الى ان هذه المزارع المسيجة قد ضمت أراضى قبائل و أراضى أفراد لم يتحصلوا على مزارع فى هذه المشاريع فقد دفعوا الى اتباع من سبقهم من أقاربهم الذين هاجروا الى المدن للعمل ولتعليم أبنائهم فقد كانت هذه الاراضى الفردية و القبلية التى شملتها مزارع المشروعات الزراعية تزرع موسميا بشكل بعلى ثم تفتح كعرف اجتماعى متفق عليه للرعى للجميع عند نهاية كل موسم, فأدت هذه الخطط التنموية الى بعض النتائج السلبية منها الاستحواذ الأسرى على أراضى أفراد الأسرة الواحدة فاستحوذ من بقى من الأسرة الواحدة على الميراث الشرعى لمن هاجر الى المدينة فأدى هذا الاستحواذ الى منازعات اجتماعية وقانونية خصوصا بعد وفاة أرباب الأسر المسنين ,كما ضمت هذه المزارع المسيجة لمشروعات التنمية الزراعية أراضى مملوكة لأفراد آخرين من غير أقارب المنتفع بالمزرعة المسيجة داخل حدود مزارع مشروعات التنمية ..... وعليه فأراضى مزارع هذه المشروعات هى خليط بين أراضى مملوكة لأسرة المنتفع بالمزرعة المسيجة و تشمل ضمن حدودها أراضى مملوكة لأفراد آخرين من قبيلة أخرى وأراضى قبلية مشاعة وأراضى موات.. وفى النهاية فهذه المزرعة المسيجة ليست سوى (مرعى خاص) لقطيع كبير من أغنام ينتفع بها صاحب المزرعة بمفرده وستظل هذه الأراضى كلها محل نزاع مستقبلى مالم يوضع لها حل جذرى سواءا أكان حلا قانونى أو عرفى, لأن الناس متفقون على الميراث الشرعى فى تقسيم الأراضى بينهم وعلى اعتماد و العرف الاجتماعى فى حل النزاعات و الخصومات بعد التقسيم وفق الفرائض الشرعية التى يقرها القانون أكثر من اعتمادهم على القانون

و القضاء فى محاكم الدولة خاصة فى مناطق الدواخل .

التعويض لقاء نزع الملكية

ان النصوص القانونية التى تحمى الملكية الفردية الخاصة فى ليبيا تؤكد على التعويض العادل لقاء نزع الملكية الخاصة لمصلحة المنفعة العامة,والملاحظ أن التعويضات التى استلمها المواطنون خاصة فى المناطق العمرانية الشعبية المزدحمة لم تكن مجزئة وعادلة لأ نها لم تأخذ فى حسابها القيمة الفعلية للموقع و الخدمات المتوفرة حوله والتى سيفتقدها المواطن صاحب العقار المنزوعة ملكيته, كالمدرسة و الروضة و المسجد و المحلات التجارية و خطوط المواصلات علاوة على الجيران و الكيان الاجتماعى الذى كان فيه, ولاشك أن هذه العناصر لها قيمة يفترض أن تقدر بثمن,ان الغاء أو عدم العمل القانون 648 لسنة 1375/2007 ف الذى يحدد قيمة التعويضات بالمتر المربع للعقارات الواقعة ضمن مسارات مشروعات المنفعة العامة, يجب أن تجدد أسعاره دوريا وفق تغيرات السوق,والا فان المواطن أصبح على دراية بحقوقه القانونية وسيعمد مباشرة الى الاعتراض على نزع الملكية واحالة الأمر الى دعوى قضائية, وهذا لاشك أنه سيعطل اجراءات نزع الملكية لوقت اضافى و بالتالى يعطل تنفيذ مشروعات المنفعة العامة,ونظراالى أن لقانون

648 لسنة 1375/2007 ف لم يشمل خيار التعويض البديل لقاء نزع الملكية الخاصة للمواطن, كتسليم المواطن قطعة أرض بمخطط أراضى معتمد بسعر السوق السائدة ويخصم باقى مايستحقه من تعويض بصك مالى يقوم بتنفيذ مسكنه به عن طريق دفعات مصرفية دون فوائد ربوية لأحد المصارف المعتمدة,أو تسليمه صكا ماليا دون شروط فى حال توفر البديل لديه بالشراء المباشر أو الاحتفاظ بالقيمة النقدية لنفسه مقابل اخلاء العقار, لأن تعدد البدائل المتاحة لقاء نزع الملكية سيكون له أثر ايجابى فى تسريع اجراءات نزع الملكية و الحفاظ على أسعار السوق السائدة دون ان تسبب تضخما ماليا يؤثر على الحياة العامة فى البلاد.أما تقدير العقارات المراد نزع ملكيتها فيفترض أن يتم بالتعاون بين لجنة تقدير العقارات و مكاتب العقارات بالمنطقة المراد نزع ملكيتة العقار فيها لأن ذلك يكون أقرب للتقدير الصحيح كما يجب أن تسبق عملية حصر العقارات اجراءات كالاعلان عن المواعيد المتعلقة بنزع الملكية و اخلاء القار و الهدم,و اخطار أصحاب الشأن بكل المواعيد كموعد الحضور وتسليم مستندات الملكية وتحديد موقع ممتلكاتهم وأسماء الملاك والورثة و الشركاء وأصحاب الحقوق فى الملكية و التوقيع على محاضر مسجلة تدل على صحة المعلومات المقدمة بعلم مندوب من المؤتمر الشعبى الاساسى المحلى, عندها يبدأ تقدير قيمة العقارات طبقا للاسعار السائدة وقت تسليم العقارات التى تقرر لزومها نزع الملكية للمنفعة لعامة,وفى حال عدم الموافقة على التقدير المقدم لصاحب العقار المراد نزع ملكيته يتم احالة الأمر مباشرة الى القضاء بمحضر يوقع عليه صاحب الملكية المعترض ويتم تسليمه مباشرة الى جهات الاختصاص ليأخذ مجراه القانونى وفق الاجراءات المتبعة بالخصوص عن طريق القضاء.

الاشكاليات التشريعية بنزع الملكية الخاصة فى ليبيا

لايوجد تنظيم قانونى مستقل لنزع الملكية الخاصة لمصلحة المنفعة العامة فى القانون الليبى

,وانما تمت الاشارة الى مسائل نزع الملكية للمنفعة العامة فى نصوص قانونية متناثرة ويعكس ويعكس هذا مظاهر من عدم الوضوح و الفاعلية فى النظام القانونى لنزع الملكية فى القانون الليبى و يتجلى هذا فى العدد الكبير من الدعاوى القضائية المرفوعة ضد اللجنة الشعبية العامة من قبل العديد من المواطنية الذين تم نزع ملكياتهم الخاصة بموجب قرارات صدرت عنها ... وفيما يلى نستعرض النصوص القانونية لمسائل نزع الملكية للمنفعة العامة:-

· الملكية الخاصة غير المستغلة مصونةولاتنزع الا وفقا للقانون- المادة 19 الاعلان الدستورى للثورة 1969.

· الملكية الناتجة عن الجهد مقدسة مصونة لاتمس الا للمصلحة العامة ولقاء تعويض عادل- الفقرة 11 من الوثيقةلخضراء الكبرى لحقوق الانسان.

· لايجوز نزع الملكية الخاصة الا لأغراض المنفعة العامة ولقاء تعويض عادل- المادة 12- القانون20 -1991 بشأن تعزيز الحرية.

· لايجوز أن يحرم أحد من ملكه الا فى الأحوال التى يقررها القانون و بالطريقة التى يرسمها و يكون ذلك فى مقابل تعويض عادل – المادة 816 من القانون المدنى.

· يجوز تقرير المنفعة العامة طبقا للمواد السابقة لمشروعات( الاسكان- التطوير العمرانى- المشروعات الصناعية) مادة 52-قانون رقم 5-1969

· يراعى عدم المساس بالاراضى الزراعية او الصالحة للزراعة عند تطبيق المخططات العمرانية مادة 16-قانون3-1369 و.ر

· يراعى عند اعداد المخططات تطبيقها أحكام التشريعات الزراعية, الطرق ,الملكية العقارية مادة 38-قانون التخطيط العمرانى رقم 3-1369 و.ر

وعليه فانه من خلال النصوص السابقة و تفصيلاتها نخلص الى مايلى:-

1- نزع الملكية فى القانون الليبى لم يقرره المشرع القانونى مرسلا دون ضمانات, انما أحاطه بسياج من الاجراءات ليحول دون تعسف الجهات الادارية فى استعمال هذا الحق.

2- ان اعمال المنفعة العامة التى وردت فى القانون الليبى جاءت على سبيل الحصر وفى نطاق مايلى:-

*مشروعات الاسكان العام و الخاص.

*التطوير العمرانى

*المشروعات الصناعية... فقط دون غير هذه الثلاث أنواع, فى حين تجعل النظم القانونية المقارنة كما هو الحال فى مصر مثلا فى ظل القانون رقم 10-1990 أن مشروعات المنفعة العامة ذكرت على سبيل التمثيل وليس على سبيل الحصر كما هو الحال فى القانون الليبى

3- يكشف التطبيق العملى على أرض الواقع لقرارات نزع الملكية فى ليبيا عن عدم مواكبة التشريعات القائمة للتطورات التى حدثت بالمجتمع الليبى و التى من نتيجتها تزايد دور الدولة الليبية فى اقامة المشروعات العامة التى تقتضيها المصالح السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية للمجتمع الليبى .

4- عد توفير الضمانات الكافية لمن تنزع ملكياتهم الخاصة لأغراض المنفعة العامة اقتضاء تحصيل التعويض العادلأو البديل المناسب وفق اجاءات مبسطة.

ان أغلب القرارت الصادرة فى الاونة الاخيرة بشأن اعتبار بعض المشروعات من أعمال المنفعة العامة قد تتعرض للالغاء من دوائر القضاء الادارى للاسباب التالية:-

1-عدم أخذ الموافقة من اللجنة الشعبية العامة للزراعة و الثروة الحيوانية

و البحرية و الاسكان و المرافق.

2-عدم تحديد السبب الدقيق للمنفعة العامة المتوخى من اصدار بعض قرارات نزع الملكية لبعض الاراضى.

و الخلاصة أن هناك فراغ تشريعى يجب ملؤه فى أقرب وقت اذ أن القضاء الادارى قد ينتهى الى أنه من المتعذر قانونا فى الوقت الراهن اصدار قرارات نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة لعدم النص على ذلك صراحة فى القانون رقم 1 لسنة 1375 و.ر .

وفى نهاية مذكرة رأى جهاز الادارة و المتابعة القانونية باللجنة الشعبية العامة وضع اقتراح مشروع قانون ينظم أحكام نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة

المصلحة الوطنية وسياسة التشريع المستقبلية

لقد أكدت لجنة مراجعة القانون المدني فى مذكرتها الإيضاحية المرفقة بمشروع القانون المقدم للمناقشة والإقرار من قبل السلطة التشريعية وهي المؤتمرات الشعبية الأساسية ؛ على ضرورة ضمان الحقوق المكتسبة والمراكز القانونية لمن طبقت فى شأنهم تلك القوانين المطلوب إلغائها وهي :

القانون رقم 4 لسنة 1978 م بتقرير بعض الأحكام الخاصة بالملكية العقارية .

القانون رقم 21 لسنة 1984 م بشأن الأحكام الخاصة بتقرير المنفعة العامة والتصرف فى الأراضي الزراعية .

القانون رقم 7 لسنة 1985م بتقرير بعض الأحكام الخاصة بدعاوى التعويض المتعلقة بتطبيق المقولات الثورية.

القانون رقم 7 لسنة 1986م بالغاء ملكية الأرض .

القانون رقم 11 لسنة 1992م بتقرير بعض الأحكام بالملكية العقارية .

القانون رقم 10 لسنة 1427م بتقرير بعض الأحكام الخاصة بدعاوى الملكية والطرد والإخلاء المتعلقة بالعقارات التي آلت إلى المجتمع .بموجب مشروع المصلحة الوطنية تقرر إلغاء كافة القوانين المعدلة للقوانين المشار إليها ، وإلغاء كل ما يخالف أحكام مشروع المصلحة الوطنية فى حال إقراره . وهو اتجاه إيجابي يتفق مع السياسة العامة الجديدة للدولة خاة وأن مشروع القانون أكد فى الفقرة الثانية من المادة 6 التي جاء فيها إنه :" لا يخل إلغاء القوانين المذكورة بالحقوق المكتسبة من تطبيق أحكامها ". بالمقابل فإن مشروع قانون المصلحة الوطنية أغفل وألغي ولم ينصف أصحاب الحقوق ممن تضرروا أو سوف يتضررون وهم كثر فى ضوء الكم الهائل من القرارات التي اتخذت وسوف تتخذها اللجنة الشعبية العامة بنزع الملكية لأغراض المنفعة العامة وقد اكتفت المادة الأولى من المشروع بقولها :" الملكية الخاصة مقدسة ومصانة ولا يجوز المساس بها إلا للمصلحة العامة وللقانون ولقاء تعويض عادل " ، وكان يجب أن يضاف إليها عبارة (أو البديل المناسب وأن تتضمن المادة الثانية من المشروع عبارة :" وتكون الأولية لمن تضرروا من نزع أراضيهم وممتلكاتهم لأغراض المنفعة العامة " لضمان الحق الذي منحه المشرع بموجب أحكام المادة 30 من القانون 116 لسنة 1972م الخاص بالتطوير العمراني) ، التي قد تعتبر ملغاة ضمنا بموجب المشروع ، رغم ما كفلته من حماية لحق الملكية بقولها :"يجوز أن يتم التعويض عن العقارات التي تؤول إلى الدولة بموجب أحكام هذا الباب عن طريق نقل ملكية عقار من أملاك الدولة إلى مستحق التعويض ، بشرط موافقته على ذلك وبمراعاة التعادل فى القيمة بين العقارين فإذا اختلفت القيمة أدى الفرق نقدا ".أما ما جاء بالمادة 88 من مشروع القانون والتي نصت على انه :" تفقد الأموال العامة صفتها بانتهاء تخصيصها للمنفعة العامة ، وينتهي التخصيص بمقتضى القانون أو بالفعل أو انتهاء الغرض الذي من أجله خصصت تلك الأموال للمنفعة " ، فقد أعطت الحق لمن لا يستحقه ومنعته على من له الحق فى استرجاع ممتلكاته وأراضيه فى حالة انتفاء صفة المنفعة العامة عليها خصوصا وأن المادة 7 من المشروع قد نصت علي أن تلغي أي أحكام أخري مخالفة لهذا القانون ، وتم تجاوز ما ضمنته المادة 29 من القانون رقم 116 لسنة1972 سابق الإشارة ؛ من ضمانات – لأنه ساري المفعول فيما لا يخالف أحكام المشروع- التي نصت على انه :" إذا لم يبدأ فى تنفيذ المشروع الذي صدر قرار باعتباره من أعمال المنفعة العامة خلال ثلاث سنوات من تاريخ صدور هذا القرار جاز رد العقارات التي تقرر لزومها لتنفيذ هذا المشروع إلى ملاكها السابقين أو ورثتهم بناء على طلبهم وبشرط أن يردوا ما صرف إليهم من تعويض طبقا للأوضاع التي يحددها وزير الإسكان خلال ستة اشهر من تاريخ انقضاء مدة الثلاث سنوات المشار إليها ، ويصدر بالرد قرار من وزير الإسكان ينشر بالجريدة الرسمية ويسجل فى مكتب التسجيل العقاري المختص دون مصاريف أو رسوم " ، وكان يتعين إقرار سياسة تشريعية متوازنة تتماشى و التوجه الجديد للمجتمع ؛ علي أن يستفيد منها كافة أفراد المجتمع دون استثناء ولكن وعلي ضوء ما نراه في ساحتنا وما يطرح من أراء و أفكار فإن الرابح الأكبر الذي سوف يستفيد من مشروع القانون وفي حالة تمريره و إقراره بصيغته الحالية وأصبحت له الصفة التشريعية خصوصا بعد أن نصت المادة 7 من المشروع بإلغاء أي نص مخالف لهذا القانون ، فان الرابح الأكبر هو "الاستعمار القانونى الجديد" والذي سوف يبتلع كل شيء ونندم حيث لا ينفع الندم ، ويتمثل هذا الاستعمار القانونى الجديد في الشركات و صناديق الاستثمار و المحافظ الاستثمارية وغيرها والتي أنشأت بموجب قرارات صادرة عن اللجنة الشعبية العامة و ممولة بالكامل من الأموال العامة العينية و النقدية والتى خولت له حق التصرف و إدارة واستثمار عوائد الليبيين المستفيدين من توزيع عائدات النفط ، كذلك تملكها للأصول الثابتة و المنقولة المملوكة للمجتمع بما في ذلك الأملاك الخاصة بعد انتفاء صفة المنفعة العامة علبها حسب المادة 88 من مشروع القانون ، كذلك يشمل هذا التملك أراضى شواطئ البحر المملوكة للمجتمع وما تبقي من منشئات صناعية و خدمية و بذلك سيسيطر هذا " الاستعمار الجديد سيطرة كاملة علي مقدرات الشعب الليبى وعلي اقتصاده الوطني .وسيبقى أفراد الشعب الليبى يلهثون وراء الحصول على عمل فى مؤسسات هذا الاستعمار الجديد التى قامت على ملكيات أراضيهم الخصبة للاستثمار الاقتصادى و التى تنزع منهم باسم مشروعات المنفعة العامة ,تماما كما عملوا فى أراضى الميرى فى العهد العثمانى الثانى أو فى مزارع المعمرين الايطاليين فترة الاستعمار الايطالى أو أنهم سيبقون خاملين بلا عمل ولا انتاج ولانشاط اقتصادى وعالة على الدولة كما حدث عندما وضعت القوانين والتشريعات لنزع الملكيات الخاصة وتحجيم النشاط الاقتصادى للأفراد فى السبعينات والثمانينات من القرن الماضى.

المراجع:-

1- عمارة الارض فى الاسلام ,د. جميل عبد القادر أكبر

2- دور السياسة المالية الاسلامية فى تحقيق التنمية الاقتصاديه د.السيد عطيةعبد الواحد
3- قانون الأراضى العثمانى لسنة 1858 م.

4- تاريخ الزراعة فى ليبيا, المؤرخ أحمد الطوير.

4- تاريخ المصارف فى ليبيا منذ العهد العثمانى, عبد الرحيم محمد النعاس.

5- نزع الملكية للمنفعة العامة بين الشريعة و القانون. سعد محمد خليل 1990.

6- المنفعة العامة و حق الدولة فى ملكية الأرض د.محمد المدنى ,صحيفة الوطن لليبية.

7-المصلحة الوطنية وسياسة التشريع المستقبلية,د. فايزة الباشا, موقع القانون الليبى.

8- مذكرة الرأىحول الاشكاليات التشريعية المتعلقة بقرارات نزع الملكية الخاصة واعتبار بعض المشروعات من أعمال المنفعة العامة فى ليبيا,

جهاز المتابعة و الأدارة, اللجنة الشعبية العامة..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ