للإعلان في الموقع يرجى مراسلتنا من خلال البريد الإلكتروني info@lawoflibya.com
النتائج 1 إلى 6 من 6
  1. #1
    عضو وفي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    الدولة
    طرابلس
    المشاركات
    384

    افتراضي ما هو الفرق بين الشرعية والمشروعية ؟

    أنه استفسار يطرح نفسه دائما
    الفرق بين الشرعية والمشروعي

  2. #2
    عضو وفي
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    499

    افتراضي

    مبدأ الشرعية في القانون الجنائي الانتقادات التي وجهت للمبدأ والرد عليها

    د . عميد عبد اللطيف ابوهدمة

    بالرغم من شيوع المبدأ واعتباره مكسباً جديداً للإنسانية منذ قيام الثورة الفرنسية فإنه لم يسلم من النقد، حيث وجهت إليه العديد من الانتقادات إلا أن رجال الفكر الجنائي سرعان ما ردوا على هذه الانتقادات.

    الانتقادات التي وجهت للمبدأ

    من الانتقادات التي وجهت للمبدأ ما يلي :

    1- عدم قدرة المشرع على الإلمام بكافة الوقائع والأفعال: وبالتالي يؤدي إلى جمود القاعدة القانونية، وهو ما يجعلها غير قادرة على مسايرة التطور في المجتمع، أضف إلى ذلك أن تقييد سلطة القاضي وعدم قدرته على التوسع في التفسير يجعله عاجزاً عن معاقبة بعض الأفعال التي لا توجد نصوص لتجريمها، وحيال هذا الوضع نجد العديد من الفلاسفة لديهم آراء في هذا النقد فيرى بعضهم أن التشريع لا يستطيع أبداً أن يحدد بدقة ما هو أفضل وأعدل للجميع ولا أن يأمر بما هو أحسن لكل الناس إذ يتفاوت البشر وتختلف الأفعال ولا ترقد الأمور الإنسانية أبداً في ثبات قانون بلغ شأنه أن يصوغ مبادئ باحثها، ومن ثم يصبح من المحال أن تصلح في كل المواد وفي كافة الأوقات ومع هذا فإن أي تشريع يهدف إلى تحقيق مثل هذه السذاجة فهو على غرار الرجل الدعي الجاهل، الذي يحظر على الناس القيام بأي عمل خارج ما ينظمه، ولا يبيح لأحد حتى مجرد توجيه الأسئلة حتى ولو شاءت الصدفة أن تؤدي فكرة جديدة خارج التنظيمات المقررة إلى نتيجة أحسن في واقعة خاصة، لذا يجب وضع التشريع بالنظر لأكثر الناس ولأغلب الأحوال وترك الحالات الشاذة للقاضي، ولو نظرنا إلى هذا الرأي لوجدناه على جانب من الصواب من حيث سرعة تطور المجتمع وعدم مسايرة التشريعات لهذا التطور، ولكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن الذهن هي أن القاضي أُعطيت له العديد من الصلاحيات في معاقبة الشواذ، وذلك بفرض التدابير الوقائية على الحالات التي تنم عن خطورة إجرامية كما أعطيت للقاضي سلطة تقديرية في فرض العقوبة.

    وهناك رأي آخر يؤيد هذا النقد، حيث يقول " نحن نعلم يقيناً أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعدد ونعلم قطعاً أيضاً أنه لم يرد في كل حادثة نص ولا يتصور ذلك أيضاً، وإذا كانت النصوص متناهية والوقائع غير متناهية يكون بصدد حادثة اجتهاد"، ومن خلال هذا الرأي نرى أن صاحبه يرى تلافي عيب الجمود عن طريق الاجتهاد والقياس، ولكن لا نسايره فيما ذهب إليه لأن الأخذ بالاجتهاد والقياس يعني خلق جرائم جديدة، وفي هذا إهدار للمبدأ إلا أنه يمكن معالجته عن طريق التفسير المنضبط الذي يوضح إرادة المشرع من النص المراد تفسيره، ويجب ألا يستغل التفسير لخدمة التيارات السياسية بل يكون تفسيراً موضوعياً.

    وهناك رأي أخير في هذا الموضوع يقول :"إن احتياجات المجتمع متباينة واتصالات البشرية دائمة النشاط ومصالحهم متعددة، بل إن الأمور ذاتها التي تلفت نظره تشمل خضماً من التفاصيل يفلت من الرؤية، ويكثر من الحركة حتى أنه يتعذر احتواؤه في نص تشريعي، فكيف يستطاع سلفاً معرفة وحسبان ما تكشف عنه التجربة وحدها..؟ هل تقدر الحيطة أن تحيط بأشياء بعيدة عن فكر المشرع عند وضعه للتشريع..؟" وبهذه الفكرة أخذ المشرع السويسري في قانونه الصادر سنة 1907 وفي عبارة تضمنتها المادة الأولى "إحالة القاضي عند انعدام النص إلى القاعدة التي كان يضعها لو أنه صار مشرعاً".

    هناك العديد من التشريعات تعاني من عجز في بعض الأحيان عن إيجاد نص لبعض الأفعال، منها ما سقط سهواً، وتشريع 1904 العقابي المصري حيث تنص المادة (179) عقوبات مصري على طرق التزوير، حيث حصرتها في وضع إمضاءات وأختام مزورة، ولكنها لم تنص على التزوير بواسطة البصمة التي تعتبر من أهم المميزات بين الأفراد، خصوصاً في مجتمع ترتفع فيه نسبة الأمية، وبالتالي سيكون التزوير عن طريق البصمة أكثر شيوعاً.

    هذا خير دليل على قصور التشريع، ولا يقتصر هذا على ما ورد ذكره بل تعداها إلى جريمة إعطاء صك بدون رصيد لم تكن معروفة في التشريع المصري نظراً لعدم انتشار فكرة التعامل عن طريق الصكوك وظلت هذه الجريمة بدون نص يعاقب عليها إلى حين صدور قانون العقوبات سنة 1937.

    2- عدم أخلاقية المبدأ :

    وصف مبدأ الشريعة بأنه غير أخلاقي، حيث يمتنع عن توقيع العقوبة في حالة عدم وجود النص، وهذا الفعل شكل خطراً على النظام الاقتصادي وسلامة الأفراد في المجتمع.

    هذا إلى جانب عدم قدرته على معاقبة الأشخاص الذين لديهم الخبرة الكافية التي تمكنهم من الاستفادة من الثغرات القانونية، والتي عن طريقها يرتكبون بعض الأفعال الجديرة بالحماية الجنائية، ومع ذلك لا تستطيع العدالة معاقبتهم على هذه الأفعال نظراً لعدم وجود نص قانوني صريح لمعاقبتهم.

    3- مبدأ الشرعية وتفريد العقوبة:

    من الانتقادات التي وجهت للمبدأ تحديده للجريمة والعقوبة دون النظر إلى شخصية الجاني ودوافع ارتكاب الجريمة بل يهتم بدرجة خطورة الجريمة، غير أنه من ناحية الواقعية لا يستطيع المشرع أن يعرف مسبقاً درجة الخطورة بل القاضي هو الذي يستطيع تحديدها من خلال الوقائع، وعليه يرون أن التمسك بهذا المبدأ يجعل القاضي مجرد إله، لذا فإن المبدأ يتعارض ومبدأ تفريد العقوبة، ومن أول المنتقدين للمبدأ أنصار المدرسة التقليدية الذين يؤمنون بمبدأ الجبرية، حيث يرون أن الشخص الذي يحمل بعض الصفات الإجرامية وعوامل نفسية واجتماعية معينة سيكون مجرماً في المستقبل، وعليه فيجب إعطاء القاضي سلطة تقديرية واسعة حسب ظروف كل مجرم ودرجة خطورته.

    4- مبدأ الشرعية يحمي مصالح الطبقة البرجوازية:

    من ضمن الانتقادات التي وجهت لمبدأ الشرعية هو حماية مصالح الطبقة البرجوازية، وما النص على المبدأ إلا ناحية مظهرية شكلية، ويبررون ما ذهبوا إليه بالآتي : مما لا شك فيه أن المبدأ بوضعه الحالي لم يظهر إلى الوجود إلا مع قيام الثورة الفرنسية، وبما أن التشريع هو مصدر القاعدة القانونية المكتوبة والقائمون على إصدار التشريع هم من الطبقة البرجوازية، وهي الطبقة التي وصلت إلى السلطة بعد قيام الثورة فإنهم سوف يأخذون مصالحهم في الاعتبار، وما اتحاد هذا المبدأ إلا للبحث عن"حدود ظاهرية لسلطان" الدولة على الأفراد.

    * الرد على تلك الانتقادات :

    1- قد لا يستطيع التشريع أن يواكب التغير السريع في المجتمع خصوصاً في بعض المجالات، وهو ما يجعله عديم القدرة على استيعاب كافة الأعمال والأفعال التي تشكل خطراً على السير الطبيعي للمجتمع هذا إلى جانب أن المشرع لم يتجه إلى إصدار تشريع معين إلا في الحالات التي يشعر فيها المسؤولون بتنفيذ السياسة التشريعية بوجود خلل فلابد من إصدار تشريع لتلافيه، وبالرغم من ذلك فإن الإبقاء على المبدأ يحقق أكبر فائدة من إلغائه، لأن في وجوده حماية لحقوق وحريات الأفراد، مما يجعلهم يقومون بكافة تصرفاتهم فيما لا يتعارض مع نص القانون، فيترتب على ذلك إشاعة الطمأنينة والثقة عند القيام بأي نوع من المعاملات، نظراً لوجود سياج قانوني يحميهم من جزاء تعسف السلطة.

    2- كذلك نرى أن وصف المبدأ بأنه غير أخلاقي مبالغ فيه، لأن القائمين بإصدار التشريعات لم يتركوا الأفعال التي لو توجد نصوص تعاقب عليها عن قصد، ولكن يبررون هذا بأن الأصل في الأشياء الإباحة هذا إلى جانب أن العديد من صور العقاب بالرغم من وجود النص وبالرغم من أن هذا المثال قياس مع الفارق فإن الإشارة إليها ليست إلا بقصد التوضيح، هذا إلى جانب أن العديد من الأفعال تفلت إلا أن الإشارة إليه ليست إلا بقصد التوضيح، على عدم قدرة الدولة على وضع يدها على كافة التصرفات التي قد تحدث من الأفراد.

    مثال ذلك من يسرق ولم تستطع الشرطة القبض عليه، أو من يفتح بيتاً سرياً للدعارة، كلها أفعال تشكل خرقاً للتشريع، ولكن قد لا تصل إلى يد العدالة لمعاقبة مرتكبيها، وقد عملت العديد من الدول على التخفيف من حدة المبدأ، وذلك بإعطاء سلطة تقديرية للقاضي وإصدار السلطة التنفيذية للقرارات واللوائح خصوصاً فيما يتعلق بالمخالفات، وقد ترتب على ذلك محاولة بعض الدول الخروج عن المبدأ، ومثال ذلك الاتحاد السوفيتي في قانونها الصادر سنة 1926، وألمانيا في فترة الحكم النازي، إلا أنه بعد الموازنة رأت الرجوع للأخذ بالمبدأ.

    3- إن المهتم بدراسة المبدأ وتاريخ ظهوره يجد أنه بدأ متمسكاً بحرفية النص، وكانت العقوبة ذات حد واحد، وبالتالي لم يكن للقاضي خيار، فمتى توفرت أمامه أدلة الإدانة لم يكن أمامه إلا النطق بالحكم، وتظهر صيرورة هذا التطبيق في القانون الصادر سنة 1791، ومن الإنصاف نرى أنه يجب ألا تُحسب هذه الفترة كنقطة ضعف على المبدأ، نظراً لأنها تعتبر هذه الفترة رداً على الاستبداد والسلطة التحكمية التي كان يتمتع بها في تلك الفترة الغابرة قبل ظهور المبدأ، وبالرغم من كل ما وُصفت به هذه الفترة إلا أنها تعتبر حرجة بالنسبة للقاضي، حيث يعاني الكثير من الصعوبات نظراً لقسوة العقوبة، مما يجعل ضميره بين شك ويقين في الدليل الذي سيبني عليه حكمه، فعندما يتغلب الشك يحكم بالبراءة، وأحياناً يترتب على ذلك إهدار للمصلحة العامة، ولكن يغلب ذلك على الحكم بعقوبة قاسية، وسرعان ما تلافى هذا العيب العديد من التشريعات عن طريق الاستعانة بالسلطة التنفيذية في مرحلة التنفيذ، حيث أعطت حق الإفراج الشرطي وتخفيف مدة العقوبة إذا كان المسجون حسن السيرة والسلوك أثناء مرحلة تنفيذ العقوبة، كما فرّقت العديد من التشريعات بين العقوبة والتدابير الوقائية، وحددت الظروف المخففة والمشددة للعقوبة، ونصت على تقسيم المجرمين إلى فئات حسب درجة السن والثقافة أثناء مرحلة التنفيذ، وكذلك أصبح من حق القاضي الحكم بوقف التنفيذ، كما أعطى له اختيار عقوبة الحبس أو الغرامة في الجنح والمخالفات، وإضافة التدبير الوقائي بجانب العقوبة في الحالات التي تنم فيها شخصية الجاني عن خطورة إجرامية.

    4- وبالرغم من أننا نتفق مع صاحب هذا الرأي على أن المبدأ قد يأخذ مظهراً شكلياً ويعمل على حماية مصالح واقعية أياً كانت هذه المصالح، ولكن نختلف مع هذا الرأي حيث نرى أن إرهاصات المبدأ جاءت كثورة على الأوضاع العقابية الظالمة التي كانت تضع الأفراد في غياهب السجون، وعدم التقيد بشخصية العقوبة، غير أن القول الذي نؤكد عليه أنه إذا كان قد وُجد استغلال للمبدأ في خدمة التوجهات السياسية أو مصالح الطبقة البرجوازية أو القائمين على إصدار التشريع، فيجب ألا يوجه هذا النقد للمبدأ فهو جاء من أجل تحقيق أهداف سامية إذ واجهته العديد من الأزمات، نظراً لأنه يهدف إلى حماية الحريات من تعسف السلطة.

  3. #3
    عضو وفي
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    499

    افتراضي الأفكار الفلسفية التي ساعدت على ظهور مبدأ الشرعية ونتائجه

    الأفكار الفلسفية التي ساعدت على ظهور مبدأ الشرعية ونتائجه

    منقول

    تميز القرن الثامن عشر بثورة علمية في معظم المجالات، وكان من ضمنها القانون الجنائي الذي كان يغلب عليه طابع القسوة، مما جعله محل تفكير فلاسة هذا القرن ومن هؤلاء(منتسيكو) الذي نادى بضرورة الفصل بين السلطات والذى يترتب عليه قصر إصدار القوانين على السلطة التشريعية، وبذلك تتحقق ضمانة من ضمانات مبدأ الشرعية ونتيجة من نتائج الأخذ بهذا المبدأ، وكذلك أضاف سلطة أخرى وهي السلطة القضائية، ويرى في الفصل بين السلطات وجود سياج يمنع الاستبداد والجور وكان لفلسفته هذه أبلغ الأثر في نفوس مفجري الثورة الفرنسية عام1789 كذلك كان للفيلسوف (جان جاك روسو) صاحب نظرية (العقد الاجتماعي) أثر في ظهور المبدأ، حيث يرى روسو أن المجتمع الإنساني يقوم على عقد قد يكون صريحاً أو ضمنياً والشعب هو مصدر السيادة حتى قبل نشوء هذا العقد ووضعه موضع التنفيذ، وشروط هذا العقد تسري على الحكام والمحكومين، وعند قيام أي شخص بسلوك يمس أمن الجماعة يترتب عليه إخلال بهذه الشروط، وبالتالي ينال جزاء نتيجة لهذه المخالفة. كما يعتبر (سيزار دي بكاريا) من الفلاسفة الذين أعلنوا ثورتهم علي السلطة التحكيمية للقاضي، وتأثر بكاريا بأفكار الفيلسوف) منتسيكو) من حيث اعتبار القاعدة المكتوبة مصدر التجريم والعقاب، كما طالب بضرورة المساواة ودعا إلى تخفيف العقوبة.

    نتيجة لهذه الأفكار ظهرت بعض المدارس الفقهية التي ساهمت في إرساء دعائم مبدأ الشرعية والقانون الجنائي الحديث، وعليه سوف تقتصر الدراسة على المدارس التي كان لها دور في ظهور المبدأ وانتشاره وهي :

    المدرسة التقليدية: يعتبر بكاريا من مؤسسي هذه المدرسة وإن صح التعبير يعتبر من قادة الثورة على النظام العقابي في ذلك الوقت، ويرجع له الفضل في تأصيل فكرة العقوبة وكان سنده في ذلك نظرية العقد الاجتماعي كأساس لحق المجتمع في العقاب.

    كما يعتبر (جرمي بنتام) من أقطاب هذه المدرسة، وكان لآرائه صدى في انجلترا حيث ركز على المنفعة الاجتماعية، ويرى أنه لا يوجد ضرورة لإيقاع العقوبة إلا إذا حقق الجاني من ورائها منفعة اجتماعية لأن هذه الأخيرة هي المحرك الأساسي لقيامه بهذه الأفعال كما يعتبر)قويرباخ( من مؤسسي هذه المدرسة حيث يرى ضرورة التركيز على الجانب النفسي ويرى أنه إذا كان الجاني قد قام بفعل مناهض للمجتمع لابد أنه يسعى إلى تحقيق لذة من وراء ذلك، ويوصي بأن تكون العقوبة رادعة، حتى تجعل الجاني يفكر عند إقدامه على ارتكاب أي فعل أن يوازن بين اللذة والألم. ما مدى مساهمة المدرسة التقليدية في ظهور المبدأ وانتشاره ؟ تعتبر هذه المدرسة هي أولى المدارس الفقهية التي وضعت إرهاصات الشرعية النصية، وذلك بعد أن أصدر بكاريا كتابه الشهير عن )الجرائم والعقوبات سنة (1764 الذي نادى فيه بمبدأ قانونية الجرائم والعقوبات كما نادى بأن تكون الجرائم والعقوبات واضحة، ويقتصر دور القاضي على تطبيق القانون، وبذلك يكون قد قطع خط الرجعة على القاضي الذي كان يتمتع قبل ذلك بسلطة تحكيمية واسعة. كما أخذ بأفكار هذه المدرسة عند صياغة أول قانون للعقوبات في أوروبا والذي صدر في عهد )ليو بولد الثاني أمير توسكانيا في بيزا سنة( 1786 ومن مميزات هذا القانون إلغاء وسائل التعذيب. كذلك ساهمت هذه المدرسة في انتشار مبدأ الشرعية، حيث شاع صيت هذه المدرسة في الدول الأوروبية وسرعان ما أخذت بمبادئها العديد من التشريعات. ولعل أبرز مثال على ذلك - إعلان حقوق الإنسان والمواطن- الذي أصدرته الثورة الفرنسية سنة 1789 وقد نصت المادة و الثامنة منه على أنه ) لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون وضع قبل الجريمة وطبق على وجه قانوني) كذلك كان لهذه المدرسة أثر في قانون العقوبات الفرنسي الذي صدر سنة 1810 وجاء متضمنا لمبدأ الشرعية، كما عمل هذا القانون على الحد من السلطة التقديرية للقاضي، حيث حدد الجرائم والعقوبات تحديداً دقيقاً بأن جعل لها حداً واحداً، وأصبح دور القاضي يقتصر على تطبيق النص، وبذلك نستطيع أن نقول إن المدرسة التقليدية ساهمت في ظهور المبدأ وانتشاره من خلال المبادئ التي قامت عليها هذه المدرسة. المدرسة التقليدية الجديدة : قامت هذه المدرسة نتيجة للنقد الذي وجه للمدرسة التقليدية ومن أقطاب هذه المدرسة -إيمانويل كانت- والفيلسوف الفرنسي - جوزيف دي مايستر- وقد عرفها الفيلسوف - كانت- بمدرسة العدالة المطلقة، كما يرى أن العقاب في إطار فلسفة المدرسة التقليدية الجديدة يقوم على أساس الضرورات الأخلاقية، ولم يتخذ من المنفعة أساساً له، وكذلك فسر الجريمة بمثابة خطأ في حق المجتمع، وعليه فيجب على الجاني أن ينال جزاءه نتيجة للمخالفة التي ارتكبها حتى يتحقق إرضاء الشعور العام بالعدالة، كما قام بعد ذلك الفيلسوف -روسي- بمحاولة التوفيق بين فكرة العدالة والمنفعة. ما مدى مساهمة المدرسة التقليدية الجديدة في ظهور المبدأ وانتشاره ؟ لقد رأينا من خلال دراسة هذه المدرسة أنها سمت نفسها مدرسة -العدالة المطلقة- والحقيقة أن جوهر الأخذ بمبدأ الشرعية هو معرفة إلى أي حد يستطيع المجتمع التخفيف من حدة الجمود التي تميزت بها سياسة المدرسة التقليدية. كما ساهمت في إرساء مبدأ الشرعية عن طريق إعادة النظر في مفهوم حرية الاختيار، وأثبتت أن درجات حرية الاختيار مختلفة، فعند البعض نجدها ناقصة، إن لم تكن مفقودة، كما أضافت هذه المدرسة شرط الإدارك والتميز كشرط للمسؤولية الجنائية، بمعنى أنها أرست القواعد المعفية من العقوبة، كما قامت هذه المدرسة بإنشاء الجمعية العامة للسجون سنة 1977 بفرنسا، وعملت على إرساء دعائم علم السجن، والبحث عن الوسائل العملية التي تساعد في إصلاح الجاني والعمل على إعادته سويا داخل المجتمع، كما أردت هذه المدرسة ضرورة التفرقة بين الجرائم العادية والسياسية، والحقيقة أننا نرى أن المدرسة التقليدية الجديدة قد ساهمت مساهمة مباشرة في إرساء دعائم علم عقاب، وعملت على التمسك بمبدأ الشرعية والتخفيف من حدته، وجاء هذا كتلاف للأخطاء التي وقعت فيها المدرسة التقليدية.

    وكان لهذه المدرسة تأثير قوي في بعض التشريعات، فقد تأثر بها قانون العقوبات الألماني الصادر في سنة 1870 وقانون العقوبات الإيطالي المعروف سنة 1879 (3).

    عند البحث عن مدى تمسك أي نظام قانوني بمبدأ الشرعية لابد أن تكون النقطة الجديرة بالدراسة هي مدى تمسك هذا النظام القانوني بنتائج المبدأ فالنص على المبدأ في طيات الدساتير والقوانين غير كاف، ولا يحقق الغرض الذي ناضلت من أجله الشعوب في سبيل إرساء دعائم هذا المبدأ، ولكن الذي يجعل هذا المبدأ محققا لأغراضه هو التمسك بالنتائج المترتبة على الأخذ به.

    وهي بمثابة الممارسة العملية للمبدأ، فلو نظرنا الى العديد من الانظمة القانونية قد نجدها تنص على المبدأ ولكنها تهدره في نفس الوقت نظرا لعدم الالتزام بالنتائج المترتبة على الأخذ به، وعليه سيكون الموضوع الذي نحن بصدد مناقشته في هذا المبحث هو النتائج المترتبة على اقرار مبدأ الشرعية، ومن هذه النتائج التقيد بالنص المكتوب باعتباره المصدر الوحيد للتجريم والعقاب أي أن السلطة التشريعية هي التي تملك حق التجريم والعقاب ، واعطاء جهة أخرى ممارسة هذا الحق يكون على سبيل الاستثناء، ومن نتائجه أيضا عدم رجعية القانون أي يجب أن يطبق القانون بأثر فوري غير أنه يرد على هذا استثناءات، سيتم توضيحها في حينه.

    وبما أن فحوى هذا المبدأ(لاجريمة ولاعقوبة إلا بنص) إذا يجب الالتزام بالتفسير الضيق للنص الجنائي، وما سبق ذكره يعتبر نتيجة من نتائج الأخذ بالمبدأ ولا يقتصر الحظر على التقيد بالتفسير الضيق للنص الجنائي بل يشمل القياس كذلك.

    فيجب على القاضي في حالة عدم وجود النص الذي يعاقب على الواقعة المعروضة أمامه أن يحكم بالبراءة مهما كانت طبيعة هذا الفعل.

    المطلب الأول: القانون المكتوب كمصدر للتجريم والعقاب:

    تعتبر القاعدة القانونية المكتوبة هي مصدر التجريم والعقاب في أغلب الأنظمة القانونية، وهي نتيجة من نتائج الأخذ بمبدأ الشرعية الذي ينص على أنه (لاجريمة ولا عقوبة إلا بنص) وهذا يعني تحديد القاعدة الجنائية تحديدا دقيقا حتى يكون الجميع على علم بها، وهذا لا يتأتى إلا بصياغتها في قالب قانوني محدد وكتابتها ونشرها بالطرق المتعارف عليها في الأنظمة القانونية المختلفة، ولزاما علينا قبل التعرض بالشرح لهذه النتيجة أن نعرف القاعدة القانونية ثم نتناولها بالتحليل وأن نتعرض لفكرة تدرج القواعد القانونية في القانون الوضعي والشريعة الإسلامية.

    تعريف القاعدة القانونية:

    (القاعدة القانونية أمر صادر من الدولة بتكليف المواطن بسلوك معين أو الامتناع عن سلوك معين، وإلا تعرض المخالف لجزاء قانوني).

    من خلال هذا التعريف نستطيع أن نحدد أن القاعدة القانونية سواء كانت جنائية أو غير جنائية تشتمل على شقين هما التكليف والجزاء، ويقصد بالتكليف إطاعتها أوامرا الشارع بالخضوع لمضمون القاعدة ومن أمثلة التكليف (وجوب إبلاغ السلطات العامة بارتكاب جريمة من الجرائم الواقعة على أمن الدولة في الخارج مادة 84 ق ع مصري ، 398 ق ع لبناني).

    ومن أمثلة التكليف بالنهي وهي تعتبر فحوى قانون العقوبات مثال النهي عن السرقة - النصب - خيانة الأمانة وغيرها، هذا فيما يتعلق بالتكليف أما فيما يتعلق بالجزاء فهو نتيجة مترتبة على مخالفة التكليف السابق ذكره ويتعدد الجزاء بتعدد فروع القانون، وبالرغم من تساوي القاعدة الجنائية مع القواعد الأخرى كونها عامة ومجردة وصادرة من جهة تملك حق الإصدار إلا أن لها خصائص عن غيرها من القواعد وهو ما يمهنا في بحثنا هذا وهذه الخصائص هي :

    1- تعتبر القاعدة الجنائية من قواعد القانون العام.

    2- الأصل أن تصدر هذه القواعد عن طريق السلطة التشريعية وإن صدرت عن جهة أخرى فتعتبر ذلك استثناء، ويجب أن يكون في أضيق نطاق.

    3- بما أنها من القواعد الآمرة إذن لايجوز الاتفاق على ما يخالف حكمها.

    4- تعتبر القاعدة الجنائية من القواعد المصلحة لسلوك الأفراد لجعله يتلاءم مع السلوك السوي داخل المجتمع.

    مالمقصود من القانون المكتوب كمصدر للتجريم والعقاب..؟

    يقصد بهذه القاعدة أن النص المكتوب هو المصدر الوحيد للتجريم والعقاب فإذا كان القانون المكتوب لا يوجد به نص يعاقب على الواقعة المرتكبة يجب على القاضي إخلاء سبيل المتهم والحكم بالبراءة لأن عدم وجود نص يعني عدم أهمية هذا الفعل، ولا يشكل خطورة على المجتمع، حيث إن المشرع يحاول حماية المجتمع، وذلك بالنص على كافة الأفعال المستهجنة والتي قد تشكل خطورة على المجتمع.

    والتمسك بالنص المكتوب يؤدي إلى حماية حريات الأفراد من تعسف السلطة وبذلك يجب الاقتصار على النص المكتوب واستبعاد العرف والعادة كمصادر مباشرة للقانون الجنائي.

    وهذا هو الفرق الجوهري بين قواعد القانون الجنائي وغيره من القوانين، حيث يجب على القاضي البحث في فروع القانون الأخرى، وأن يفصل في القضية الموجودة أمامه حتى في حالة عدم وجود النص، حيث يمكنه الاستعانة بالمصادر الأخرى فقد يجد نصا يعاقب على الفعل المرتكب عن طريق العرف أو مبادئ العدالة أو الشريعة الإسلامية أو القانون الطبيعي ومبادئ العدالة.

    كما يقصد بهذه النتيجة ضرورة صدور القانون عن طريق السلطة التشريعية حسب الأوضاع الدستورية لكل نظام، فقد يصدر القانون عن طريق السلطة التشريعية في الدول التي تأخذ بالنظام النيابي، وقد تصدر القوانين عن مجلس قيادة الثورة في الدول التي تعيش في ظل النظام العسكري، وقد تصدر القوانين عن طريق المؤتمرات الشعبية والاتحادات والروابط المهنية في ظل النظام الجماهيري والسلطة التي تملك إصدار القانون هي السلطة العليا والممثل الشرعي والحارس على استقرار وحماية المجتمع من الجريمة.

    بالرغم من أن القاعدة العامة هي صدور التشريع من السلطة التشريعية حسب الأوضاع السالف ذكرها إلا أنه نجد العديد من الدول تسمح للسلطة التنفيذية بإصدار تشريعات ،ولكن في حدود سنتحدث عنها فيما بعد .

    كم يجب أن تكون نصوص التشريع واضحة وبعيدة عن العبارات غير المحددة المعنى،كما تكون غامضة ،حيث أن الهدف من النص عليها إحاطة الأفراد بالأفعال المستهجنة والعقوبة التي سينالها كل من تسول له نفسه القيام بمثل هذه الأفعال.

    ولايقتصر الالتزام بهذه النتيجة على المشرّع بل يمتد إلى القاضي حيث يجب عليه ألا يحكم بالإدانة إلا إذا كان هناك نص يدين المتهم فهو غير مختص بإنشاء جرائم وعقوبات مهما رأى في الفعل المرتكب من خطورة أو اعتداء على حقوق الأفراد والجماعة، بل يقتصر عمله على تطبيق القانون على الواقعة المعروضة أمامه، ولإثبات شرعية العقوبة التي يحكم بها يجب عليه تحديد النص أو النصوص التي تم الاستناد عليها في إصداره الحكم.

    كما يجب على القاضي الجنائي الالتزام بالنص المكتوب وهو بخلاف القاضي المدني، وقد سبق توضيح هذا الفرق.

    كما أن عمل القاضي قد يتناول (تفسير النصوص الجنائية وتأويلها) فيجب أن يلتزم بالتفسير الضيق، فإذا لم يلتزم قد يقع في المحظور وهو خلق جرائم جديدة نتيجة للتفسير الموسع، ويساهم بذلك في إهدار المبدأ الذي يعتبر من أهم ضمانات الحرية الفردية.

    ومن الالتزامات التي تقع على القاضي كذلك تطبيق القانون على الوقائع اللاحقة على صدوره، غير أن هناك العديد من القوانين أوردت استثناء حيث أجازت تطبيق القانون بأثر رجعي إذا كان في صالح المتهم (مثال ذلك المادة الخامسة من قانون العقوبات المصري) ، (المادة 9 فقرة 2 من قانون العقوبات اليمني الجنوبي)، كما أخذ القانون الجنائي التونسي بهذا الاستثناء (مادة 269).

    بعد أن حددنا المقصود من القاعدة الجنائية كمصدر للتجريم والعقاب أصبح من الضروري مناقشة المصادر التي تستقي منها هذه القاعدة.

  4. #4
    عضو وفي
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    499

    افتراضي دعوى الإلغاء ضمانة لسيادة مبدأ المشروعية

    دعوى الإلغاء ضمانة لسيادة مبدأ المشروعية

    المستشار د. مفتاح محمد قزيط
    رئيس فرع إدارة التفتيش على الهيئات القضائية - مصراتة /
    أمين اللجنة الشعبية لكلية القانون بمصراتة

    لكي تُفهم فكرة المشروعية في النظام الدستوري فهماً سليماً لابد من الرجوع إلى فلسفة هذا النظام في المشروعية، وهذه الفلسفة تقوم في أصولها القانونية على أن السُلطة ليست قوة مادية، وإنما هي ضرورة اجتماعية وتكون مشروعة بقدر استمدادها من رضا الشعب، وبقدر ممارستها بصورة مُقيدة غير مُطلقة، بمعنى أن، تكون خاضعة للقانون ولضوابطه أياً كان هذا القانون، وهذا المعنى الشرعي للسلطة معنى مُلازم لها في كل وقت ولو كانت أكثر الأوقات بُعداً عن معنى المشروعية، فحتى في أوقات الثورات صّور الفقه الديمقراطي سلطة الحكم الفعلية(1) سلطة قانونية تخضع لمعاني الدستور والقانون وأن زايل الوصف القانوني هذه المعاني بسقوط الدستور في قيام الثورة.

    لقد أعلن القضاء الإداري الفرنسي دعوى الإلغاء لحماية مبدأ المشروعية أي مبدأ الخضوع للقانون، فدعوى الإلغاء هي دعوى مقامة ضد القرارات الإدارية التي تصدرها الهيئة التنفيذية وتخرج فيها على ضوابط مبدأ المشروعية أو الخضوع للقانون.

    ومن هنا فإن قضاء الإلغاء يُوصف بأنه قضاء موضوعي يُخاصم القرار الإداري لعدم مشروعيته، فإذا ما تبين للقاضي الإداري مجانبة القرار للقواعد القانونية النافذة حكم بإلغائه، وعلى هذا الأساس يُوصف قضاء الإلغاء بأنه حامي حمى المشروعية.

    ويختلف قضاء الإلغاء عن القضاء الكامل لأن القضاء الكامل قضاء شخصي يُطالب فيه المُدعي خصمه بحق شخصي ويكون للقاضي فيه سلطات كاملة فيحق للقاضي تقويم وتعديل القرارات غير المشروعة والحكم بالتعويض عن الأضرار التي تسببها.

    ولقد كان الأمر في بدايته مقرراً على أساس فصل دعوى الإلغاء عن دعوى القضاء الكامل فإذا ما أراد المُدعي الطعن في القرار الإداري غير المشروع بالإلغاء والتعويض فإنه يتعين إقامة دعويين مستقلتين، دعوى المطالبة بإلغاء القرار غير المشروع، ودعوى التعويض.

    ولقد أظهرت التجربة ضياع الوقت في فصل الدعويين ففي حكم(تركو)أُحيل موظف إلى المعاش فأقام الدعوى مُطالباً بإلغاء القرار والتعويض عن الأضرار التي اصابته، ولقد فصل القضاء الإداري بدعوى الإلغاء بعد مرور سنتين ونصف على موعد رفع الدعوى وقام بالفصل في دعوى التعويض بعد مرور خمس سنوات ونصف من وقوع الضرر.

    وإزاء ما تكشف ظهر أن الفصل بين الدعويين الإلغاء والتعويض(القضاء الكامل) فيه ضياع للوقت ولذلك فقد عدل مجلس الدولة الفرنسي عن الموقف السابق بأن أباح الجمع بين عريضة دعوى الإلغاء وعريضة دعوى القضاء الكامل وبدأ ينُظر في الدعويين في وقت واحد(2).

    ولقد شكلت دعوى الإلغاء التي أوجدها مجلس الدولة الفرنسي ضمانة تكبح جماح السلطة الحاكمة، ووصلت حدود رقابة القضاء الإداري على قرارات السلطة التنفيذية إلى مديات بعيدة فلم يتردد القضاء الإداري في بسط رقابته على قرارات السلطة التنفيذية حتى في الظروف الاستثنائية فوضع القضاء الإداري نظرية متكاملة للظروف الاستثنائية لابد من التحقق في توافر شروطها حتى تحتج بها السلطة التنفيذية فيجب توافر حالة الظروف الاستثنائية ويجب أن يكون الإجراء المتخذ بالقدر الذي يلزم لمواجهة الظروف الاستثنائية فالضرورة تُقدر بقدرها.

    شروط قبول دعوى الإلغاء:

    يُقصد بشروط قبول دعوى الإلغاء تلك الشروط التي يجب توافرها حتى يمكن للمحكمة أن تقوم بنظر الدعوى وذلك بصرف النظر عن موضوع الدعوى، فإذا لم تتوافر شروط القبول قضت المحكمة بعدم قبول الدعوى دون التعرض لموضوع الدعوى.

    وقبول المحكمة النظر في الدعوى لا يعني وقف نفاذ القرار غير المشروع فيبقى القرار نافذاً ومنتجاً لاثاره القانونية حتى يقضي القضاء بوقف تنفيذه أو إلغائه.

    ومن المعروف أن قرارات الإدارة تتحصن بإنقضاء مواعيد الطعن بالإلغاء بحيث لا يجد الطعن فيها بدعوى الإلغاء (تُسمى دعوى تجاوز السلطة) بعد فوات الميعاد تطبيقاً لمبدأ وجوب استقرار المعاملات القانونية.

    ويجب التفرقة بين القرارات المنعدمة وبين القرارات الإدارية غير المشروعة، فالقرارات المنعدمة تنتفي عنها الصفة الإدارية فيمكن الطعن بها في أي وقت.

    ويمكن أن نُقرر بأن شروط قبول دعوى الإلغاء هي :

    1 - يشترط في القرار المطعون فيه أن يكون قراراً إدارياً نهائياً وليس عملاً مادياً.

    والقرارات التي يجوز الطعن فيها بالإلغاء هي القرارات الإدارية والقرارات النهائية الصادرة من جهات إدارية ذات اختصاص قضائي.

    2 - توافر شرط المصلحة فمن المبادئ المُسلم بها أنه حيث توجد المصلحة توجد الدعوى فلا دعوى بدون مصلحة.

    ولما كانت دعوى الإلغاء دعوى موضوعية فيكفي أن يكون للمُدعي مجرد مصلحة شخصية مُباشرة حتى يمكن قبول دعوى الإلغاء.

    ويجب أن تكون المصلحة شخصية ومُباشرة فيجب أن يكون القرار المطعون فيه مؤثراً مُباشراً في المصلحة الشخصية للطاعن.

    ومن المبادئ التي قررها القضاء الإداري أنه يجوز أن تكون المصلحة أدبية أو حتى روحية ويجب أن تكون المصلحة محققة وتوسع القضاء الإداري في تفسير شرط المصلحة فقبل بالمصلحة المحتملة.

    3 - ميعاد رفع الدعوى :

    يُحدد المُشرّع مواعيد مُعينة للطعن بالقرارات الإدارية وعادة تُعتبر فترة الستين يوماً من تاريخ نشر القرار الإداري في الجريدة الرسمية أو في نشرات المصالح أو إعلان صاحب الشأن به هي الفترة التي يُسمح بها بإقامة دعوى الإلغاء وعلة ذلك هي التوفيق بين الصالح العام والصالح الخاص.

    4 - انتفاء طريق طعن مُقابل:

    يُشترط لقبول دعوى الإلغاء ألا يكون هناك طريق قضائي آخر يتمكن المدعي بواسطته من الوصول إلى ذات النتائج التي تُحققها دعوى الإلغاء.

    وهذه النظرية (نظرية الدعوى الموازية نظرية قضائية من ابتداع مجلس الدولة الفرنسي ابتدعها لكي لا تتراكم أمامه الدعاوى ولأن إقامة دعوى الإلغاء بدون رسوم تُسبب في تراكم الدعاوى أمام مجلس الدولة الفرنسي فأراد أن يُخفف من تراكم الدعاوى فأوجد نظرية الدعوى الموازية، فإذا كان هناك طريق طعن آخر يمكن لصاحب الشأن أن يسلكه فلا يلجأ إلى دعوى الإلغاء.

    أوجه الحماية التي توفرها دعوى الإلغاء لمبدأ المشروعية:

    إن المبدأ الأساسي التي تصدر عنه الديمقراطيات هو مبدأ سيادة المشروعية وخضوع الإدارة للقانون فيجب أن يكون الإجراء الإداري مُستنداً إلى قانون أو لائحة، وإيثار الديمقراطيات لمبدأ المشروعية مؤسس على أن دولة القانون هي الأصل.

    ولقد كانت أقوى الصور التي ظهر بها مبدأ المشروعية بعد قيام الثورة الفرنسية، فقد نادى الثوار الفرنسيون بسيادة القانون فلا يجوز للإدارة أن تتخذ إجراء أو تصدر قراراً إدارياً إلا بمقتضى القانون وتنفيذاً للقانون، ولأن القانون يصدر عن الهيئة التشريعية فإن الإدارة تخضع خضوعاً وظيفياً للمُشرّع، ولذلك استقرت الأوضاع في النُظُم الديمقراطية على أن التفويض التشريعي يجب أن يكون خاصاً ومُحدداً لأن التفويض العام أو غير المحدد يعني نقل السلطة التشريعية من البرلمان إلى الإدارة.

    ودعوى الإلغاء توفر حماية واسعة لمبدأ المشروعية إذ بواسطة هذه الدعوى يمكن إلغاء كل القرارات الإدارية غير المشروعة، ونتناول بعضاً من أوجه هذه الحماية

    1 - دعوى الإلغاء ضد قرار السلطات الأمنية:

    تصور الديمقراطية السلطة الأمنية سلطة قانونية محايدة لا تتجاوز حدود فكرة قانونية هي حماية الأمن والنظام العام من الأخطار المباشرة أو المحتملة.

    ويجتهد القضاء في محاولات صادقة ضد محاولة تمرد سلطة الأمن على القانون فيلغي قرار السلطات الأمنية التي تتجاوز حدود القانون المانح للاختصاص الاستثنائي في تقييد الحريات.

    وتتمثل رقابة القضاء في مجال الحريات العامة في دعاوى إلغاء القرارات الإدارية التي تقيد :

    1 - حرية الصحافة.

    2 - حرية عقد الاجتماعات العامة.

    3 - حرية تشييد الجمعيات والنقابات المهنية.

    4 - حرية إبداء الرأي والنشر.

    2 - دعوى الإلغاء ضد قرارات الإدارة الصادرة بحق الموظفين العموميين:

    فالقضاء الإداري يختص بنظر كل المنازعات المتعلقة بالوظيفة العامة فيختص بنظر :

    1 - المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات التقاعدية والمكافآت المستحقة للموظفين.

    2 - إلغاء القرارات الإدارية الصادرة بتعيين الموظفين أو نقلهم أو ترقيتهم أو بمنح العلاوات لهم.

    3 - إلغاء القرارات الإدارية بالإحالة إلى التقاعد أو الفصل بغير الطريق التأديبي.

    4 - إلغاء القرارات النهائية الصادرة عن الهيئات التأديبية.

    5 - المنازعات المتعلقة بالعقود الإدارية.

    3 - مسؤولية الإدارة عن الأضرار التي يسببها موظفوها :

    وهذا نوع من الحماية مقرر أساساً في النظم الديمقراطية المرتكزة على المذهب الفردي، ففي النظم الديمقراطية تعتبر سلطة الحكم هي مصدر الخطر على الحريات والحقوق، ذلك أن الديمقراطيات الغربية نظرت إلى الحرية على أنها معنى سياسي وقانوني نابع من مصدرين:

    أولاً : نظرية سياسية تخضع لها سلطة الحكم.

    ثانياً: ضمانات قانونية لاتعكس هذه الأصول السياسية وتساندها فحسب بل هي تؤمن المحكومين ضد انحراف السلطة.

    والديمقراطية لا تعترف بأن هناك من يؤثر على الحرية قدر السلطة السياسية، فهي ترى بأنه مادام المحكومين قد اختاروا حكامهم اختياراً حراً، وما دام القانون نافذاً وهو صادر عن ممثلي الشعب فإن الحريات ستكون بأمان.

    فالفكر الديمقراطي يرى أن السلطة إذا كانت ديمقراطية بأن قامت على سيادة الإرادة الشعبية وكفالة الحرية وسيادة القانون فإنها لن تستهدف سوى مصالح المحكومين، وتأسيساً على ما تقدم أقام القضاء الإداري صرحاً من الضمانات للحقوق والحريات تمثلت في تطبيق :

    1 - نظرية الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي.

    2 - نظرية متكاملة للمسؤولية عن أخطاء موظفي الإدارة.

    3 - نظرية متكاملة عن تحمل عبء دفع التعويض عن الأضرار.

    4 - نظرية متكاملة عن العيوب التي تُعيب القرار الإداري في أركانه

    1 - رُكن الاختصاص.

    2 - ركن الشكل.

    3- ركن السبب.

    4 - ركن الغاية.

    5 - ركن المحل.

    6 - الانحراف في استعمال السلطة.

    ولسنا في معرض دراسة كل عيب من العيوب التي تُعيب القرار الإداري فهذه من موضوعات دارسي القانون في الكليات والمعاهد، ولكننا نُركز على أن رقابة القضاء الإداري على أركان القرار الإداري تستهدف حماية مبدأ المشروعية بشكل أساسي فهي تمنع الإدارة من الخروج على ضوابط المشروعية لتبقى خاضعة للقانون فيسود المجتمع العدالة والأمن والاستقرار.

  5. #5
    عضو وفي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    الدولة
    طرابلس
    المشاركات
    384

    افتراضي مشكووووووووووور جدا هلا

    مشكووور جدا ااا على الرد
    ولكني لم اجد الفرق بين الشرعية والمشروعية طبعا في القانون الاداري في ستة اسطر فقط
    إذا تكرمت

  6. #6
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    89

    افتراضي مدى جواز العمل بنظرية الضرورة في ظل الشرعية الإجرائية

    مدى جواز العمل بنظرية الضرورة في ظل الشرعية الإجرائية


    الأستاذ : المبروك عبدالله الفاخري المستشار بالمحكمة العليا

    تُعد نظرية الضرورة من النُظم القانونية العامة التي لها الأثر الواضح في إضفاء المشروعية على بعض الأعمال المخالفة للقانون، وهى فكرة قديمة لازمت الفكر القانوني منذ نشأته، وأخذت بها الشرائح القديمة والحديثة(1) .

    وجوهرها واحد في مختلف فروع القانون، وإن اختلفت تطبيقاتها باختلاف المصالح التي يحميها وينظمها كل فرع من هذه الفروع، وهي في جميع الأحوال تقوم على ركنين أولهما :

    موضوعي يتمثل في قيام خطر ملجئ يهدد إحدى المصالح المحمية، وثانيهما : شخصي يتمثل في رد الفعل تجاه الخطر لحماية المصلحة المهددة، ودرء الضرر عنها وهو ما يسمى بالعمل الضروري. ولقد حظيت فكرة الضرورة باهتمام أغلب فروع القانون، حيث تضمنت نصوصاً عامة تحدد شروطها وتٌبيّن أثارها، وبالتالي فإن شرعيتها مستمدة من تلك النصوص التي نظمتها وأوضحت أحكامها .

    أما في الإجراءات الجنائية فالأمر مختلف، حيث لم تنص التشريعات الإجرائية على إعمال الضرورة كمبدأ عام، بل أوردت عدة تطبيقات لها في بعض النصوص المتفرقة. ولما كان قانون الإجراءات الجنائية يهدف إلى حماية المصالح الاجتماعية في الدولة من خلال التوفيق، وإقامة التوازن بين مصلحتين تبدوان متعارضتين، هما مصلحة المجتمع في كشف الحقيقة،والقبض على المجرمين، وإدارة العدالة الجنائية على نحو فعال يحقق السرعة والردع من ناحية، ومصلحة الفرد -عندما يكون متهما- في أن تُصان كرامته وأن تُضمن له حقوقه في الدفاع عن النفس وإثبات براءته وألا تطغى الرغبة في إدارة العدالة الجنائية ،على حقوق الفرد وحرياته الأساسية ، من ناحية أخرى . ومن ثم فإن مهمة قانون الإجراءات الجنائية هي الموازنة بين العدالة والحرية، ويقتضي ذلك رسم نطاق قانوني لحرية الفرد، يبين الحد الأدنى من حريته الذي يجب الحفاظ عليه وعدم التضحية به، إيماناً بأن هذا الحد الأدنى لا يتعارض مع مصلحة المجتمع، بل يسهم في تحقيقها، وهذا ما يقوم عليه مبدأ الشرعية الإجرائية(2).

    وتقوم فكرة الضرورة في الإجراءات الجنائية عندما يكون هناك خطر يهدد إحدى المصالح التي ينظمها ويحميها القانون الإجرائي الجنائي ، ويقتضى الأمر مخالفة الشكل الإجرائي، لحماية المصلحة المهددة بالخطر، سواء كانت مصلحة عامة أم خاصة . ومن المُسلّم به أن فكرة الضرورة ليست غريبة عن الإجراءات الجنائية، فقد وردت بعض تطبيقاتها صراحة أحياناً، وضمنا أحياناً أخرى في التشريعات الإجرائية الجنائية . إلا أن الخلاف احتدم بين الفقهاء حول إمكانية إعمالها كنظرية عامة، فيرى بعضهم(3) أن العمل بالضرورة في مجال الإجراءات الجنائية يجب أن يقتصر على الحالات التي وردت حصراً، وأنه لا يجوز العمل بها كمبدأ عام، إذ يترتب على ذلك الافتئات على حريات الناس، وانتهاك الضمانات المقررة لهم قانوناً باسم الضرورة، وأيضا زعزعة الاستقرار القانوني في المجتمع. وذهب آخرون(4)

    -وشايعتهم في ذلك بعض أحكام القضاء- إلى أن الضرورة مبدأ عام في مختلف فروع القانون، ومن بينها قانون الإجراءات الجنائية وبالتالي لا يحتاج تطبيقها إلى نص، ويجوز العمل بها كنظرية عامة متى توافرت شروطها . وأمام هذا التباين في الآراء، فإننا نتساءل : -هل يجوز العمل بالضرورة كنظرية عامة في الإجراءات الجنائية ؟

    - وهل يتعارض ذلك مع مبدأ الشرعية الإجرائية ؟

    أم أنها تطبق على سبيل الاستثناء، ويقتصر العمل بها على الحالات التي وردت حصراً في التشريعات الإجرائية الجنائية ؟

    المبحث الأول .. مفهوم الضرورة وأنواعها في الإجراءات الجنائية نستعرض في هذا المبحث وعلى التوالي مفهوم الضرورة في الإجراءات الجنائية في مطلب أول، ثم أنواعها في مطلب ثان.

    المطلب الأول مفهوم الضرورة في الإجراءات الجنائية لما كان جوهر الضرورة واحداً في مختلف فروع القانون، لذا رأينا ونحن بصدد دراسة الضرورة في الإجراءات الجنائية أن نتصدى لبيان مفهومها بشكل عام، وذلك بالقدر الذي يمكننا من تحديد مفهومها الإجرائي.

    أولاً : المفهوم العام تتعدد مفاهيم الضرورة حسب زاوية النظر إليها، فالضرورة لها مفهوم لغوي ومفهوم اجتماعي متداول بين الناس، ومفهوم فلسفي،ومفهوم في الاصطلاح الشرعي ، وأخيراً مفهوم قانوني .

    فالضرورة عند علماء اللغة مشتقة من الضرر،وهي ضد النفع، وهي اسم لمصدر الاضطرار، كأن تقول :"حملتني الضرورة على كذا وكذا.."، وقوله -عز وجل:-

    ( فمن اضطر غير باغ ولا عادٍ)(5) أي فيمن أُلجىء إلى أكل الميتة وما حُرّم وضيق عليه، وأصله من الضرر وهو الضيق(6) ، ومن الناحية الاجتماعية يستخدم عامة الناس هذا المصطلح للتأكيد على أوضاع أو أقوال ذات أهمية، أو توضيح مشكلة معينة أدت إلى تصرف معين أو لإعفاء تصرف ما من المساءلة(7).

    ومفهوم الضرورة في الفلسفة :"هو ما لا يمكن أن يكون خلافاً لما كان، ولا يمكن ألا يكون" ومعنى هذا أن العمل الضروري لا يمكن تصوره على خلاف ما كان(8).

    والضرورة في الإصطلاح الشرعي : هي الحالة الملجئة لتناول الممنوع شرعا، أما الحاجة :فإنها وإن كانت حالة جهد ومشقة فهي دون الضرورة ، ولا يتأتى معها الهلاك(9). والضرورة في الإصطلاح القانوني : هي حلول خطر جسيم لا سبيل لدفعه إلا بارتكاب محظور(10).

    ثانيا : مفهوم الضرورة الإجرائية تصدت محكمة النقض المصرية لتعريف الضرورة في الإجراءات الجنائية بمناسبة قيام المحقق بندب كاتب غير مختص لتدوين التحقيق للضرورة، حيث قالت : إن المُراد بالضرورة في هذا الموطن هو العذر الذي يبيح ترك الواجب دفعاً للحرج عن المحقق وسداً للحاجة التي تقتضيها مصلحة التحقيق(11).

    ومن هذا المنطلق عرّفها أحد الفقهاء(12) بأنها :" العذر الذي يبيح ترك الواجب تغليباً لمصلحة أولى بالرعاية أو دفعاً لمفسدة أولى بالاعتبار".

    وهكذا يتضح بأنه إذا وجد الشخص الإجرائي نفسه أمام عذر طارئ يهدد إحدى المصالح التي ينظمها قانون الإجراءات الجنائية فله أن يتخذ الإجراء الضروري حماية لتلك المصلحة المهددة بالخطر متى كانت أولى بالرعاية ومتى توافرت شروط الضرورة . وحتى يستقيم تعريف الضرورة في الإجراءات الجنائية مع المفهوم العام للضرورة في مختلف فروع القانون الأخرى، فإننا نقترح التعريف الآتي :-

    هي الحالة الملجئة التي تبيح مخالفة الشكل الإجرائي الجنائي لحماية المصلحة الأجدر بالرعاية. المطلب الثاني أنواع الضرورة الإجرائية إن المتفحص لتطبيقات الضرورة في التشريعات الإجرائية الجنائية سيجد بعض الحالات قد نُص عليها صراحة، والبعض الآخر يُستنتج ضمناً من خلال تلك النصوص، كذلك الأمر بالنسبة لأحكام القضاء، فهناك من الأحكام ما يُشير صراحة إلى إعمال نظرية الضرورة، والبعض الآخر لا يُشير إلى ذلك وإنما يُستشف الأمر من خلال أسباب الحكم. ولعلنا نستطيع القول بأن كافة الإجراءات الماسة بحرية الإنسان والتي وردت في التشريعات الإجرائية، جميعها وليدة الضرورة، لأن الأصل في الإنسان الحرية وفي المتهم البراءة، واقتضت الضرورة أن تكون هناك قيود تفرض على حريات الأفراد من خلال هذه النصوص، حماية لمصلحة الهيئة الاجتماعية وحقها في الأمن والأمان والاستقرار ولأغراض الدراسة سوف نقسّم الضرورة الإجرائية إلى نوعين :

    النوع الأول : الضرورة التشريعية وهي التي يُنص عليها في قانون الإجراءات الجنائية إما صراحة أو ضمناً، وهي بدورها تنقسم إلى قسمين :-

    1- ضرورة تشريعية يقررها المشرّع ويقدر توافر شروطها، ولا مجال لتدخل الشخص الإجرائي فيها، والأمثلة على ذلك إجراءات القبض والتفتيش وضبط الخطابات والرسائل ومراقبة المحادثات الهاتفية والاستجواب والحبس الاحتياطي المنصوص عليها في المواد 24 و34و35و36و37و 38و75و78و79و80 و111و112و115 من قانون الإجراءات الجنائية ، فهذه الإجراءات ماسة بحرية وحقوق المتهم ، وهي أساسها الضرورة لأنه من المتفق عليه أن الأصل في المتهم البراءة ، وعليه لا يجوز المساس بحقوقه أو تقييد حريته إلا بقدر الضرورة التي تقتضيها حماية مصلحة المجتمع في أمنه وأمانه واستقراره، ونظرا لخطورة هذه الإجراءات الماسة بحرية الإنسان فلم يترك المشرع للشخص الإجرائي - الشخص القائم بتنفيذ قانون الإجراءات الجنائية - أي مجال في تقرير هذه الإجراءات أو تقدير توافر شروطها، بل تولى المشرع هذه المهمة وحدد شروط اتخاذ كل إجراء، وهذه الشروط لا تخرج عن كونها شروط الضرورة، وعليه فإذا تمت مباشرة أي إجراء بالتجاوز لها فإنه يُعد إجراءً باطلاً لا يُعول على النتائج التي تترتب عليه -إذا ما تمسك صاحب الشأن بذلك- لأنه خرج عن أحكام الضرورة وتجاوزها، أي قدّرها بغير قدرها .

    2- ضرورة تشريعية يقررها المشرع ويترك تقدير توافر شروطها للشخص الإجرائي، ففي هذا النوع نجد أن المشرع ينص على العمل بنظرية الضرورة في بعض الإجراءات الجنائية، إلا أنه لا يحدد شروط مباشرتها بل يترك للقائم بتطبيق القانون هذه المهمة مسترشداً في ذلك بالشروط العامة للضرورة الإجرائية(13)، والأمثلة على ذلك في قانون الإجراءات الجنائية ما ورد في المادة (2) مكرر - المضافة بالقانون رقم (22) لسنة 1963- التي تعطي النائب العام إمكانية ندب أعضاء الشرطة لتحقيق قضايا برمتها وذلك في المناطق النائية .. كما تنص المادة (19) على أنه لا يجوز لمأموري الضبط القضائي تحليف الشهود أو الخبراء اليمين إلا إذا خيف ألا يُستطاع فيما بعد سماع الشهادة بيمين، بمعنى أنه لا يجوز تحليفهم اليمين إلا في حالة الضرورة ، وكذلك تنص المادة (55) في فقرتها الثانية على أنه لمأمور الضبط القضائي المنتدب أن يجري أي عمل آخر من أعمال التحقيق ،أو أن يستجوب المتهم في الأحوال التي يخشى فيها فوات الوقت متى كان العمل متصلاً بالعمل المندوب له ولازماً في كشف الحقيقة، ففي هذه الأحوال رأى المشرع أن سلطة الدولة في العقاب أولى بالرعاية من مصلحة المتهم، ومن ثم عمل بأحكام الضرورة وأجاز الخروج بمقتضاها عن القواعد العامة. وأيضا ما تنص عليه المادة (34) على أنه لا يجوز لرجال السلطة الدخول في محل مسكون ،إلا في الأحوال المبينة في القانون، أو في حالة طلب المساعدة من الداخل، أو في حالة الحريق أو الغرق أو ما شابه ذلك، وهذه العبارة الأخيرة تعنى أن دخول المساكن يظل قائما في أية حالة ، تقتضيها الضرورة.

    وما تنص عليه المادة (337) من جواز ندب قاض للحلول مكان مستشار، وما ورد في المادة (241) التي تجيز للمحكمة جعل جلسة المحاكمة سرية للضرورة . وأيضا ما ورد في المادة (243)التي تجيز للمحكمة إبعاد المتهم عن الجلسة للضرورة.

    النوع الثاني : -

    الضرورة العملية وفى النوع يعمل بالضرورة الإجرائية كنظرية عامة ويقوم الشخص الإجرائي بتقريرها توافر شروطها ، لأنه لم ينص عليها في قانون الإجراءات الجنائية ،لا صراحة ولا ضمناً ،لقد أطلقنا عليها هذه التسمية حتى نميز بينها وبين الضرورة التشريعية ،وهى بدورها تنقسم إلى قسمين :-

    1- أعمال إجرائية يباشرها الشخص الإجرائي استنادا إلى حالة الضرورة ، إذ قد تواجهه ظروف ملجئة يضطر معها إلى مخالفة التنظيم الإجرائي لحماية مصلحة أجدر بالرعاية أو لــدرء مفسدة أولى بالاعتبار .

    والمثال على ذلك تجاوز مأمور الضبط القضائي لحدود اختصاصه المكاني للضرورة (14) واستعانة المحقق بكاتب غير مختص (15) وتصدى محكمة النقض لطعن متهم على الرغم من عدم استيفائه للشكل المقرر قانونا (16) واتصال الطعن بخصم لم يطعن أصلاً ، بل ليس له الحق في الطعن (17) .

    2- أعمال مادية أساسها الضرورة العملية قد يباشرها أشخاص عاديون أو أعضاء من السلطة العامة ، ولكنها ذات علاقة بالإجراءات الجنائية مثل قيام رجل الإسعاف بالبحث في ملابس المصاب للتعرف على هويته أو تحريز ما يوجد معه ، فيعثر على مخدر ،فهذا الإجراء على الرغم من كونه عملا ماديا وليس إجرائيا إلا أن ضبط المخدر مع المصاب يعد صحيحا ويعتد بالنتيجة التي أسفر عنها ،لان ما قام به رجل الإسعاف هو عمل اقتضته الضرورة ، ولذلك يطلق عليه مجازا تفتيش الضرورة (18) .

    وكذلك ما يقوم به الشخص العادي من تحسس ظاهري لملابس وجسم المتهم الذي ضبطه متلبسا بجناية خشية حمله سلاحا يعتدي به عليه أو يضر به نفسه ، فيعثر معه على سلاح بدون ترخيص ،فهذا الاكتشاف يعد صحيحا ، لأنه عمل مادي أوجبته الضرورة العملية ، وُيطلق عليه التفتيش الوقائي، وأيضا ما يقوم به مأمور الضبط القضائي أو رجل السلطة العامة عندما يقوم بالبحث في ملابس المتهم - المقبوض عليه في جريمة لا تتطلب التفتيش كجريمة إهانة الموظف العمومي مثلا - قبل إيداعه غرفة الحجز فيعثر معه على شيء تُعد حيازته جريمة، فإنه يعتد بهذا العمل على الرغم من كونه ليس عملاً إجرائياً وإنما عمل مادي قُصد به البحث في ملابس المتهم خشية أن يحمل معه أشياء يضر بها نفسه أو غيره، وهذا الإجراء أساسه الضرورة العملية ويسمى التفتيش الوقائي(19).

    وإلى اللقاء في الجزء الثاني حيث المبحث الثاني في مفهوم الشرعية الإجرائية وعلاقتها بالضرورة.

    " المبحث الثاني "

    مفهوم الشرعية الإجرائية وعلاقتها بالضرورة

    نتعرض في هذا المبحث إلى مفهوم الشرعية الإجرائية في مطلب أول وإلى علاقة الضرورة بالشرعية الإجرائية في مطلب ثان.

    المطلب الأول

    مفهوم الشرعية الإجرائية

    تُعد الشرعية الإجرائية الجنائية إحدى حلقات الشرعية التي يخضع لها القانون الجنائي، حيث ظهرت الحلقة الأولى تحت اسم "لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون" وذلك لحماية الإنسان من خطر التجريم والعقاب بدون قانون، ولكي يكون في مأمن من رجعية القانون الجنائي وبمنأى عن خطر القياس في مجال التجريم والعقاب.

    وهذه الحلقة الأولى فقط لا تكفي لحماية حرية الإنسان وحقوقه إذا كان في الإمكان اتخاذ إجراءات من شأنها المساس بها مع افتراض إدانته، لذلك كان لابد من ظهور الحلقة الثانية من حلقات الشرعية الجنائية ألا وهي الشرعية الإجرائية.

    إن مبدأ الشرعية الإجرائية معناه أن يكون التشريع مصدر الإجراءات الجنائية، سواء كان تشريعاً دستورياً أم عادياً، لأن الإجراءات الجنائية تنطوي في جانب كبير منها على قدر من القهر والإجبار إزاء المتهم، وإزاء غيره في بعض الأحيان، كما تتضمن مساساً بحرية الأفراد وحقوقهم الأساسية، وقد تتخذ ضد أفراد لم تثبت إدانتهم بعد، أو تثبت براءتهم فيما بعد، ومن ثم تعين أن يكون التشريع مصدرها(1).

    ولا تعني الشرعية الإجرائية اشتراط أن يقرر القانون الإجراء الجنائي فقط ، بل تتطلب أن يحدد القانون الشروط الشكلية والموضعية اللازمة لاتخاذ الإجراء، بحيث لو أغفلت أو تمت مخالفتها، صار مآل ذلك الإجراء البطلان ، وهي على هذا النحو تضمن سيادة القانون بوصفه أساس الحكم في الدولة، وتؤدي إلى الاستقرار القانوني الذي يُؤّمن الأفراد ضد المفاجآت التي تعرّض مراكزهم القانونية للخطر (2).

    إن قانون الإجراءات الجنائية الذي تحكمه الشرعية الإجرائية لا يهتم أساساً بتحقيق الغاية من الإجراء الجنائي بقدر ما يهمه احترام الحرية الشخصية من خلال ما يقرره من ضمانات، فهذه الحرية هي المصلحة الأولى بالرعاية والأجدر بالحماية في نظر هذا القانون باعتباره أحد القوانين المنظمة للحرية الشخصية، ويُفترض في هذا القانون أن يكون مستنداً ومتفقاً مع المبادئ التي تضمن حرية وحقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق العالمية والقوانين الأساسية مثل الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية عام 1966، والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير عام 1988، والقانون رقم (20) لسنة 1991 بشأن تعزيز الحرية، ولذلك لا يجوز الوصول إلى الحقيقة وإقرار سلطة الدولة في العقاب إلا من خلال إجراءات جنائية تحترم الحريات والضمانات تحت إشراف ورقابة القضاء.

    ومن ثم يقتضي مبدأ الشرعية الإجرائية احترام الحرية الشخصية للمتهمين وذلك باشتراط أن يكون القانون هو مصدر الإجراءات الجنائية - كما أسلفنا القول- وأن تفترض براءة المتهم في كل إجراء من الإجراءات التي تتخذ ضده، وأن يخضع تقدير تلك الإجراءات ورقابة سلامة تطبيقها للقضاء(3).

    المطلب الثاني :

    علاقة الضرورة بالشرعية الإجرائية

    تُعد الضرورة من النُظم القانونية المستقرة في جميع فروع القانون، وهي استثناء على الأصل، وتُمثل الخروج على النصوص القانونية، بغية التوفيق والتنسيق بين المصالح المتنازعة التي تثور في الظروف الحرجة التي تعجز النصوص عن معالجتها، لذا فقد حرصت فروع القانون على النص على حالة الضرورة، وكيفية التعامل معها والإجراءات التي تتخذ في ظلها ومن بينها قانون الإجراءات الجنائية.

    إلا أن الأمر في هذا القانون الأخير يختلف عن غيره من فروع القانون الأخرى، حيث تضمنت تلك القوانين نصوصاً تحوي في طياتها مبادئ النظرية العامة للضرورة، وبالتالي يجوز العمل بها كنظرية عامة متى توافرت شروطها، ومن ثم فإنه لا إشكالية في تطبيقها.

    أما في الإجراءات الجنائية فتطبيق الضرورة يثير إشكالية لا تزال محل خلاف في الفقه بين مؤيد ومعارض(4) وتتمثل هذه الإشكالية في مدى إعمال الضرورة في الإجراءات الجنائية كنظرية عامة أو مدى تعارضها مع مبدأ الشرعية الإجرائية، ويمكن رد هذا الخلاف إلى اتجاهين :

    - الاتجاه الأول : يرى العمل بالضرورة بناء على نص في قانون الإجراءات الجنائية: في هذه الحالة ينص المُشرّع على بعض تطبيقات الضرورة في الإجراءات الجنائية، ولا خلاف بين الفقهاء في العمل بالضرورة في هذا الشأن سواء كان من شأن تطبيقها المساس بحرية الأفراد، أي الإنقاص من ضمانتهم لمصلحة الهيئة الاجتماعية، أو زادت من ضمانتهم الإجرائية على حساب مصلحة المجتمع، فما دام التشريع مصدرها، فإنه من المفترض أن يكون المُشرّع قد وازن بين مصلحة الدولة في العقاب ومصلحة الأفراد في الحرية، ورأى أن من شأن إعمال الضرورة إنهاء النزاع بين المصلحتين وترجيح الأجدر بالرعاية.

    ومن ثم فلا يوجد تصادم بين الضرورة والشرعية الإجرائية في هذه الحالة لأن الضرورة وجدت مصدرها في التشريع الإجرائي.

    - الاتجاه الثاني : يرى العمل بالضرورة كنظرية عامة في الإجراءات الجنائية:

    في هذه الحالة يُعمل فيها بأحكام الضرورة كنظرية عامة من قبل الجهة القائمة بتطبيق قانون الإجراءات الجنائية وهي ما أطلقنا عليها الضرورة العملية، للتفرقة بينها وبين الضرورة التشريعية التي تم تناولها في الحالة الأولى.

    إذ قد تواجه الشخص الإجرائي ظروفاً ملجئة يضطر فيها إلى مخالفة التنظيم الإجرائي، وفي سبيل توضيح هذا الاتجاه ينبغي التمييز بين ثلاثة فروض :

    * الفرض الأول :

    إذا كان من شأن العمل بالضرورة دعم حرية المتهم وزيادة ضماناته الإجرائية بالمخالفة للتنظيم الإجرائي، ففي هذه المسألة لا يتعارض العمل بالضرورة كمبدأ عام في الإجراءات الجنائية مع الشرعية الإجرائية، لأن إعمالها على هذا النحو من شأنه التأكيد على قاعدة أساسية تحكم التنظيم الإجرائي برمته، وهي أن الأصل في المتهم البراءة، والأمثلة على ذلك كثيرة : منها إجراء المحاكمة في غير علانية خلافاً للأصل الإجرائي، إذا كان من شأن ذلك تحقيق مصلحة للمتهم أولى بالرعاية من المصلحة التي رأي المُشرّع حمايتها وامتداد مواعيد الطعن بالنسبة للمحكوم عليه المريض الذي لم يستطع الطعن في الميعاد (5).

    * الفرض الثاني :

    يُفترض في هذه الحالة أنه يعمل بأحكام الضرورة بمناسبة الخروج على بعض الإجراءات التنظيمية الواردة في الإجراءات الجنائية، وخاصة تلك التي لا يترتب على إعمال الضرورة بشأنها المساس بحريات الأفراد وحقوقهم الأساسية والأمثلة على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر انتداب كاتب غير مختص لتدوين التحقيق الإبتدائي، وتجاوز مأمور الضبط القضائي لحدود الاختصاص المكاني للضرورة.

    ففي هذه الحالات يتعين أن تمنح الجهات المخولة بتطبيق قانون الإجراءات الجنائية سلطة تقديرية لإعمال نظرية الضرورة في الإجراءات الجنائية متى توافرت شروطها، ذلك لأن جوهر الإجراءات الجنائية هو الكشف عن الحقيقية(6).. ومن ثم يجب أن تكون للجهات السابقة سلطة التقدير الذي يتيح لها التعامل مع الحالات الواقعية بالأسلوب الملائم، حيث قد تلتبس تلك الحالات بظروف مفاجئة، تقتضي حينئذ العمل بأحكام الضرورة، للوصول إلى الحقيقية لأن المجتمع بقدر ما يهمه براءة البريء يهمه في الوقت ذاته إثبات إدانة المذنب والقصاص منه، وبالتالي تحقيق العدالة.

    وبناء عليه فإن إعمال الضرورة الإجرائية كمبدأ عام في هذا الفرض، ورغم مخالفته الشكل الإجرائي المقرر قانوناً، لا يتناقض مع الشرعية الإجرائية، لأنه مستند إلى شرعية الضرورة التي تُعد مبدأً عاماً في القانون ولا تحتاج إلى نص(7)، فهي مشروعية ضد مشروعية،(8) أي أن الإجراء الذي يتخذ في ظل الضرورة يكون مشروعاً، متى تحققت شروط الضرورة التي اقتضت ذلك، ويخضع تقدير شروط الضرورة ومدى توافرها لرقابة القضاء بدرجاته المتعددة.

    وفي سبيل التفريق بين الإجراءات الجنائية التي يجوز إعمال الضرورة بشأنها وتلك التي لا يجوز فيها ذلك، يتعين الرجوع إلى علة التشريع، فإذا كانت إرادة المُشرّع قد ابتغت من وراء تنظيم الإجراء إعلاء حق من حقوق الفرد وإضفاء الحماية الخاصة عليه، فإنه لا يجوز إعمال الضرورة في هذا الشأن، أما إذا كان اتجاه إرادة المُشرّع غير ذلك، كأن تكون علة التشريع من وراء الإجراء غاية تنظيمية ليس من شأنها المساس بحرية الفرد وحقوقه الأساسية في الدفاع، فإنه لا ضير من إعمال الضرورة بشأنه متى توافرت شروطها، ويخضع ذلك لرقابة القضاء.

    الفرض الثالث :

    إذا كان من شأن العمل بالضرورة في الإجراءات الجنائية كنظرية عامة، الإفتئات على حريات الأفراد والمساس بحقوقهم الأساسية الواردة في التنظيم الإجرائي التي كفلها لهم المُشرّع -الدستوري أو العادي- وأضفى عليها حماية خاصة، ففي هذه الحالة يجب ألا تكون حريات الأفراد وحقوقهم الأساسية التي أعلاها المُشرّع وأحاطها بسياج من الحماية والحصانة، محلاً للتقدير من قبل الجهات المناط بها تطبيق قانون الإجراءات الجنائية.

    وبالتالي لا يجوز إعمال الضرورة في هذا الشأن كنظرية عامة، ذلك لأن الإجراءات الماسة بحريات الأفراد أوردها المُشرّع على سبيل الحصر والتحديد، وهي استثناء اقتضته ضرورة المحافظة على كيان الهيئة الاجتماعية، ومن ثم فإنه من هذا المنطلق لا يجوز إعمال الاستثناء على الاستثناء، وأنه وفقا للقاعدة الفقهية يجب ألا يُزال الضرر بالضرر(9).

    بالإضافة إلى أن العمل بالضرورة في الإجراءات الجنائية بالنسبة للإجراءات التي تمس حريات الأفراد وضمانتهم الإجرائية يُعكر صفو الاستقرار القانوني الذي ينشده المُشرّع - ويطلق يد الجهات المناط بها تطبيق قانون الإجراءات في المساس بالضمانات المقررة لحماية حريات الأفراد تحت ستار الضرورة الإجرائية(10).

    لذا فإنه يتعين عدم المساس بحريات الأفراد وحقوقهم الأساسية التي كفلها لهم المُشرّع إلا بالقدر الذي مُست به بموجب القواعد الواردة حصراً في التنظيم الإجرائي.

    وعليه فإنه لا يجوز تفتيش الأنثى من قبل رجل في حالة عدم وجود أنثى حتى لو قامت الضرورة وتوافرت شروطها، لأن المُشرّع أوجب تفتيش الأنثى من قبل أنثى مثلها، وبالتالي يجب ألا يكون هذا الحق وتلك الضمانة محلا للتقدير(11).

    كما أنه لا يجوز حرمان الفرد من قاضيه الطبيعي، أو اختصار درجات التقاضي بحجة ضرورة سرعة الفصل في الدعاوى، أو منع الطعن في بعض الأحكام، أو حرمان المتهم من بعض الضمانات الإجرائية، لأن ذلك لا يكون إلا على حساب الحقوق والحريات الفردية التي كفلتها القوانين الأساسية وتشريعات الإجراءات الجنائية(12).

    الخاتمة

    بعد أن انتهينا من سلسلة هذا البحث المتواضع، فإننا نخلص إلى نتيجة مؤداها أن الضرورة الإجرائية - وفقا للعرض السابق- والشرعية الإجرائية أمران غير متناقضين، بل يتفقان في سبيل تحقيق الهدف المنشود من النظام الجنائي بأكمله، وهو مكافحة ظاهرة الإجرام مع احترام حقوق الإنسان وحرياته في آن واحد.

    وفي سبيل اكتمال حلقات الشرعية الإجرائية في القانون الليبي، نقترح في نهاية هذه الدراسة على الجهة المختصة بالتشريع، وهي المؤتمرات الشعبية الأساسية، إعادة النظر في قانون الإجراءات الجنائية وتعديله بحيث يتضمن المبادئ التي تضمن حرية وحقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق العالمية والقوانين الأساسية، وخاصة ما ورد في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير عام 1988، والقانون رقم(20) 1991 بشأن تعزيز الحرية، وإلغاء أي نصوص يكون من شأنها المساس بالضمانات الإجرائية للأفراد المتهمين بارتكابهم جرائم معينة، المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية مثل المادة 187 مكرر(أ).

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. سؤال يهم أهل الاختصاص في العلوم الشرعية
    بواسطة فيلسوفة في المنتدى منتدى الشريعة الإسلامية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 02-12-2009, 06:09 PM
  2. الرقية الشرعية الميسَّرة .............
    بواسطة شهين المغربي في المنتدى منتدى الشريعة الإسلامية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 08-10-2009, 01:31 AM
  3. مبدأ الشرعية فى جرائم الحدود
    بواسطة عقيد القانون في المنتدى منتدى القانون الجنائي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 27-02-2009, 07:15 PM
  4. ◄• الفرق بين السياسة الشرعية والسياسة الوضعية •►
    بواسطة رمضان علي نجي العاتي في المنتدى منتدى الشريعة الإسلامية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 27-09-2008, 03:39 AM
  5. الطرق الشرعية لإثبات أو نفي النسب
    بواسطة ابراهيم المحامى في المنتدى منتدى الصيغ القانونية فى مجال الأحوال الشخصية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 11-09-2008, 10:35 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 
 
جميع الحقوق محفوظة © 2007 - 2013, موقع القانون الليبي.