مؤلف د . فائزة يونس الباشا
أستاذ القانون الجنائي
قضية لوكربي بين شخصية العقاب وحق التعويض

مقدمة
رغم النجاحات التي حققها النظام العالمي في بعض المجالات السياسية والأمنية ، خاصة المتعلقة بإرساء دعائم مكافحة الجريمة بأبعادها وأشكالها المتعددة ، وإنشاء محكمة جنائية دولية لمواجهة ، طائفة الجرائم الدولية على وجه الخصوص ؛ لم يحول دون تجاوز الجهاز التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة لاختصاصاته ، بمناسبة نظرها لقضية لوكربي .

ورغم تأكيد الفقه الدولي أن الأمن والسلم لن يتحققا إلا من خلال معالجة متكاملة للعناصر ذات الصبغة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية ، وفي ظل احترام حقوق المجتمعات الإنسانية ، على نحو يكفل تحقيق المساواة بين جميع الأفراد من سكان الكرة الأرضية (1) إلا أن عدم التوازن في العلاقات الدولية أدى إلي سيطرة القطب الواحد ؛ وهو ما كان له – ولازال – مردود سلبي على المجتمع الدولي ككل ، فمن ناحية لنجاح الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على الجهاز التنفيذي للأمم المتحدة لإضفاء الشرعية الدولية على قراراتها وتجاهلها لإحكام ميثاق المنظمة . ومن ناحية ثانية ، لمبالاتها بالاعتراضات وإصرارها وتعنتها الذي فاق كل تصور ، وينبئ عنه تناقضها مع ذاتها ؛ فهي كدولة كبرى تمتلك كافة الإمكانيات العسكرية والاقتصادية الخ ، ومع ذلك تخشى الآخرين وتسعى لإنشاء نظام الدفاع الصاروخي ، ولم تول المعارضة الدولية اهتمامها في هذا الخصوص (2).

ومن ناحية أخرى ، فأن الولايات المتحدة الأمريكية بكل جبروتها تختلق الأزمات مع الدول الصغرى منها ليبيا ، والمقارنة هنا تنحصر في الإمكانيات ، لأن صفة البشرية تمنح المواطنون في الجماهيرية العظمي وأولئك الذين يعيشون في إقليم الولايات المتحدة الأمريكية ذات القدر من الأهمية والمساواة في الحقوق والاعتزاز بآدميتهم التي هي هبة من المولى عز وجل ، ونشير إلي قول الفاروق " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " .

أما بشأن العلاقات الليبية الأمريكية ، يتعين الذكر أن لهذه العلاقة خصوصيتها وطبيعتها المميزة ، لأنها موغلة في القدم ، ففي عام 1796 أبرمت أمريكا مع ليبيا بعد استقلالها من بريطانيا ، لدفع الرسوم إلي ليبيا مقابل حماية سفنها وتوفير ممر آمن لها . وفي عام 1801 أعلنت أمريكا الحرب على ليبيا ، بعد أن رفع حاكم طرابلس قيمة الرسوم المفروضة عليها من جانب واحد ، واستمرت الحرب أربع سنوات ، بعد أن تكبدت الدولة المعتدية الهزيمة ورضخت للمطالب الليبية . واضطرت لإبرام معاهدة صلح (1).

ورغم أن الجماهيرية الليبية أبدت رغبتها في إقامة علاقات سياسية قوامها المساواة والاحترام المتبادل مع الغرب ، إلا أن رغبة الدول الغربية في السيطرة وسلب مقدرات وثروات البلاد ، حال دون ذلك ، خاصة مع تليب شركات النفط وإجلاء القواعد الأمريكية .(2)

يستفاد مما ذكر ، أن الأزمة الليبية الغربية ليست بالنزاع الطارئ ، بل هي حلقة من حلقات الصراع بينها وبين الدول الكبرى التي تسعى جاهدة لإيجاد موطأ قدم في دول الجنوب (1).
لذلك ليس بغريب أن تصدر لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأمريكي قرارها بتمديد العقوبات المفروضة على الجماهيرية العظمي ، والمتعلقة بمعاقبة الشركات التي تتعامل مع ليبيا وإيران لمدة خمس سنوات ابتداءً من 2001/6/21.
نخلص مما ذكر أن قضية لوكربي هي تكملة ، كما أسلفنا لإحدى حلقات الصراع ، التي نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في قيادته وإداراته بكفاءة ، الأمر الذي يتضح بجلاء ؛ لتمكنها من السيطرة على مجلس الأمن وإسباغ النزاع بصبغة سياسية ، رغم أن الواقعة لا تتجاوز كونها فعل إرهابي لا يشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين بما يوجب تدخل المجلس ، وهو ما يعد سابقة في تاريخ منظمة الأمم المتحدة . لهذه الأسباب سارعت الدول المعنية إلي تعبئة الرأي العام العالمي لتشويه صورة ليبيا ؛ واستغلت التطورات التقنية في أجهزة الأعلام الاستغلال الأمثل ، لتضخيم الأمور واتهام ليبيا – دون سند من القانون – بضلوعها في حادث تفجير طائرة بان آم 103 ، ولم لم تكتف بذلك بل أنها حرصت على اتهامها بتفجير الطائرة الفرنسية التي سقطت فوق صحراء نيجيريا عام 1989.(1) ومما يلفت النظر أن الدول الغربية تعمل دائما بشكل جماعي منظم ومدروس ، وهو ما يتضح بجلاء من خلال دراسة تطورات قضية لوكربي وموقف الدول المعنية ، التي تبرر مسلكها وما تتخذه من قرارات مناهضة للمصالح – الليبية – الوطنية أو مصالح الشعوب ككل (2). لأن مسلسل لوكربي قد يحدث لأي منها ، لذلك يتوجب العمل على تكثيف أوجه التعاون بين الدول العربية والإسلامية الأفريقية في كافة المجالات لتقوية مؤسساتها وكيانها لتتمكن من اتخاذ مواقف صلبة وموحدة في مواجهة الغرب " الأقوى " (3).

أهمية البحث :
لكل بحث علمي أهمية علمية وأهمية عملية ، لأن الدراسة تفتح آفاقا أمام الباحثين للتعمق في بعض الموضوعات التي تشكل خصوصية ، لإجلاء الغموض عن بعض الإشكاليات ، ولإثراء الفكر والمكتبة العربية من ناحية ، وللتوثيق التاريخي خاصة متى تعلق الأمر بواقعة لها طبيعتها وأهميتها كما هو الحال بالنسبة لقضية لوكربي التي تعتبر سابقة قانونية ؛ في مجال القانون الدولي تحديدا ، من ناحية أخرى .

إشكاليات البحث :
نالت قضية لوكربي اهتمام العالم بأسره طيلة مدة تقارب عقد من الزمن ، ولازال الموضوع مثار جدل ونقاش من قبل الفقه لما طرحه من إشكاليات جديرة بالدراسة كتلك المتعلقة بتجاوز مجلس الأمن لاختصاصه ، وعلاقته بمحكمة العدل الدولية ، وما تعانيه منظمة الأمم المتحدة من مثالب لسيطرة الولايات المتحدة على جهازها التنفيذي ، لذلك فإن الدراسة تهتم بإلقاء الضوء على بعض العناصر الجوهرية في قضية لوكربي . علاوة على ذلك ، لا يجب التغاضي عن مبدأ شخصية العقوبات الدولية المتفرع عن مبدأ شخصية المسئولية الجنائية ، التي لم يري مجلس الأمن ضير في التضحية بها ، وبالتالي بحقوق الشعوب وراحتها واستقرارها في مقابل النيل من أنظمة لم تلق قبولا لدى الدول الكبرى .
الأمر الذي يعد تدخلا في الشؤون الداخلية لدول ذات سيادة وهو ما يخالف أحد المبادئ المستقرة في ميثاق الأمم المتحدة ، كما تطرح الدراسة إشكالية هامة تتعلق بحق ليبيا في التعويض عما لحق مواطنيها من أضرار مادية ومعنوية نتيجة للعقوبات الدولية التي فرضت عليه دون وجه حق ، وهو ما ثبت على نحو قطعي بتبرئة أحد المتهمين في قضية لوكربي . خطة الدراسة :
سنتناول بالدراسة موضوع " لوكربي في نطاق شخصية العقوبة وحق التعويض " ، في فصول أربع ، نخصص الفصل الأول لدراسة تكييف قضية لوكربي من وجهة النظر الغربية ووجهة النظر الليبية . أما الفصل الثاني ، فنتناول فيه التعريف بماهية مبدأ شخصية العقوبة في القوانين الوطنية والدولية ، ونعرض لما لحق المبدأ من إخلال جسيم بمناسبة تصدي مجلس الأمن للقضية محل البحث . ونتعرف في الفصل الثالث على أنواع العقوبات الدولية بوجه عام ، وتلك التي وقعت على الجماهيرية العظمي ، وخلال تلك العقوبات بمبادئ العدالة وحقوق إنسان ، وما ألحقته بالشعب الليبي من أضرار جسيمة ، وأخيرا ؛ نستعرض في الفصل الرابع حكم محكمة اسكتلندا في قضية لوكربي ، وحق ليبيا في التعويض ، ونشير لحق أهالي ضحايا لوكربي .

الطبعة الأولى 2001 م رقم الإيداع 2001 / 4101 دار الكتب الوطنية بنغازي ردمك ISBN 9959 – 30 -026 – 9 الوكالة الليبية للترقيم الدولي الموحد للكتاب دار الكتب الوطنية بنغازي – ليبيا هاتف : 9097074 – 9096379 – 9090509 بريد مصور : 9097073 البريد الإلكتروني : nat-lib-libya@hotmail.com حقوق الطبع محفوظة للمؤلف