د .فائزة يونس الباشا
مبادئ علم الإجرام " الجزء الأول "

المقدمة دراسة علم الإجرام وعلم العقاب من الدراسات اللصيقة بقانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية نظرا لصلة الوثيقة بينهم ، وهما من العلوم الحديثة نسبيا ، وعلم الإجرام بدأ يتكون مع التقدم السريع الذي أحرزته العلوم الإنسانية ؛ وبتتبع حركة نشوء علم الإجرام ، يتضح بجلاء إن هذا العلم لم يزدهر إلا بفضل جهود الأطباء والعلماء الإيطاليين في أواخر القرن التاسع عشر لاستخدامهم أساليب البحث العلمي في دراسة الظواهر الإجرامية بفحص شخص الإنسان بصفة عامة مجرما كان أم لا ، ولا يعني ذلك عدم وجود محاولات سابقة لتفسير السلوك الإجرامي ، لكنها افتقدت المنهج العلمي ، إذ تناوله الفلاسفة والباحثين القدامى في كتاباتهم ، بطرق بدائية وعلى أساس أسطوري أو ميثولوجي ، كالاعتقاد بوجود قوة خفية داخل الفرد تأمره بمعصيته ( طوطم ) ووجود أرواح شريرة ، وفسرت القبائل الوثنية الظاهرة الإجرامية بوجود قوة خفية شريرة ، وساد عند قدماء الإغريق التفسير الطبيعي وتأثر الإنسان بقدرات غيبية ، وخلص أفلاطون إلي أن الفرد إذا أراد التخلص من العمل الإجرامي عليه التحرر من الشيطان داخله ، وربط سقراط بين الجهل والعلم الذي هو أساس الفضيلة وقمع الجريمة ومحاربتها

وكنتيجة لضعف الكنيسة ، ساد فكر المدرسة التقليدية ، وأصبح ينظر للجريمة على إنها من الأفعال الاجتماعية ، ومن أنصار هذا الاتجاه الذي ظهر في نهاية القرن السابع عشر على يد جان جاك رو سو ، فولتير وسيزاري بكاريا وهو أول من أسس دعائم قانون العقوبات بعناه الحديث ، واعتبر أن المصلحة الاجتماعية هي أساس التشريع العقابي ، وتطورت أفكار المدرسة التقليدية على يد جيري بنتام ؛ الذي طور فكرة المنفعة وأكد فوير باخ على نظرية الإكراه النفسي ، أي أن للعقوبة أثرا نفسيا على الناس جميعا ينفرهم من الجريمة ويدفعهم لتجنب ارتكابها خشية العقاب .

وحاول أنصار المدرسة التقليدية الجديدة الجمع بين الفقه التقليدي أو النفعي من ناحية وفقه العدالة الطلقة من ناحية أخرى ، وخلص إلي أن أساس العقوبة لا تكون مشروعة إلا باجتماع العدالة والمصلحة ، وبعد التجريد الذي اتسمت به المدارس التقليدية ظهرت التفسيرات ذات الطابع العلمي الاجتماعي لظاهرة الإجرام ، منها المدرسة الجغرافية ، والمدرسة الاشتراكية ، وقبل ذلك المدرسة الوضعية ومدرسة التحليل النفسي .

نتيجة لذلك ، تطور موضوع علم الإجرام ليشمل الجريمة والمجرم ، ويبحث في مجموعتين من العوامل ؛ عوامل ذاتية ( جسمية ، عضوية ، نفسية ) والأخرى خارجية ( حضارية ، اجتماعية ، اقتصادية أو بيئية ) أي في العوامل الذاتية والخارجية ، التي تسهم في الدفع بالإنسان إلي انتهاج السلوك الإجرامي .

وبما أن علم الإجرام علما مستقلا ؛ لذلك فلقد أهتم بتنظيم مجموعة العوامل المضاعفة الوثيقة الصلة بالجريمة والمجرم ، ودراسة أسباب اختلاف الإجرام كما ونوعا من دولة إلي أخرى ، بل وفي ذات الدولة من عصر لآخر ، لأن الجريمة ظاهرة اجتماعية عامة بالنسبة لكل العصور وكل المجتمعات ، وتتركز تلك الدراسة على جانبين : الأول قانوني ، والثاني علمي ، فالدراسة القانونية للظاهرة الإجرامية تقوم بالبحث في مفهوم القاعدة القانونية الوضعية التي يترتب على مخالفتها جزاء جنائي ، أما الدراسة العلمية لتلك الظاهرة فتتعلق بصفة أساسية بدراسة أسباب السلوك الإجرامي ودوافعه ومقاومته وعلاجه وتقويمه ، فهذه الدراسة تنظر إلي الجريمة نظرة واقعية لا قانونية فهي تهتم بالوقائع والأشخاص دون القواعد القانونية ، وهو ما أهتم علم الإجرام بإبرازه إلي الوجود في صورة متجانسة موضوعها الدراسة العلمية للظاهرة الإجرامية .

1. أهمية علم الإجرام
نقطة البدء في الدراسات الإجرامية هي تفسير السلوك ، ومحاولة معرفة العوامل الدافعة إليه ، مما يستوجب تحليل شخصية المجرم من ناحية ، ورصد كافة الظروف الخارجية ( الحضارية – الاجتماعية – الاقتصادية – الثقافية ) المؤثرة على جوانب شخصيته من ناحية أخرى ، لأن هدف تلك الدراسة إيجاد أنسب الآليات لمكافحة ظاهرة الجريمة ، واقتراح تدابير تتناسب ومختلف طوائف المجرمين .

وعليه فإن أهمية علم الإجرام تتأتى من صلة هذا العلم بالقانون الجنائي ، فإذا كان هذا الأخير يضم كافة صور السلوك الموصوفة جرائم ، والجزاءات المقررة لكل جريمة ، فإن علم الإجرام يتولى بالوصف والتفسير تحليل هذه الجرائم لا باعتبارها فكرا قانونيا مجردا بل كسلوك واقعي يخضع للبحث التجريبي التفسيري ، بهدف البحث عن آفاقا جديدة في مجال القانون الجنائي المستقبلي .

كما أن لعلم الإجرام أهمية غير مباشرة تتمثل في البحث عن الدلالة الاجتماعية للجريمة ، وهي دلالة ذات أبعاد متشابكة ومتنوعة تشمل البعد الاقتصادي للجريمة الذي يقصد به تكاليف العدالة الجنائية الباهضة ، ونفقات الجهاز القضائي والمؤسسات العقابية ، وهناك الأموال التي تنفق لحماية الأموال العامة والخاصة على حد سواء ؛ والبعد السياسي ؛ الذي يترك أثر عميق يهدد استقرار الدولة وأمنها ، لأن تفشي الإجرام وانتشاره يقوض أركان الدولة .

وفي العصر الحاضر ازدادت الأمور تعقيدا مع تنوع الإجرام وتعدد صوره وأشكاله ؛ من إجرام عنف وإجرام عضلي إلي الإجرام الخد يعي أو الإجرام الذهني والإجرام الإكتسابي الذي يتعلق بالحالة الاقتصادية ، وانتشار خطر الجماعات الإجرامية المنظمة التي مدت أذرعها في كافة أرجاء المعمورة وساعدها التطور التكنولوجي في كافة المجالات على تنفيذ وتحقيق أغراضها الإجرامية . وبلغ نفوذ الجريمة المنظمة حد توريط كبار رجال الدولة النافذين ورجال المال والأعمال وإشراكهم في مخططاتهم الإجرامية .

2. منهجية الدراسة

تفرض أصول علم الإجرام منهجية خاصة لإتسام الدراسات الإجرامية بطابع موسوعي ، وهي لذلك تفترض إلماما بعلوم معرفية أخرى منها علم الاجتماع وعلم النفس والطب العقلي وعلم وظائف الأعضاء وتاريخ الشعوب هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإن نظريات تفسير السلوك الإجرامي في تطور وتجدد مستمر ولم تتوصل البعض منها لنتائج نهائية

لذلك فإن علم الإجرام يبدأ بدراسة الجريمة وينتهي بتفسير الإجرام ، ويستخدم لذلك منهج البحث الوصفي الذي يقتضي التعرض لمختلف الاتجاهات والمذاهب التحليلية للظاهرة الإجرامية وتأصيل الظاهرة الإجرامية بردها إلي نوعية من العوامل ، عوامل داخلية وأخرى خارجية

ويستخدم منهج البحث التفسيري للكشف عن كافة العوامل ذات الصلة بحركة الإجرام وتتبع هذه العوامل لمعرفة ما إذا كانت سببا في إنتاج الجريمة أم لا ، وهو ما يكشف إشكالية السبب والعامل في علم الإجرام . ونتناول موضوع علم الإجرام في أبواب ثلاثة على النحو التالي :
الباب الأول : عموميات علم الإجرام .
الباب الثاني : المدارس الوصفية لتحليل الظاهرة الإجرامية .
الباب الثالث : التحليل التفسيري لعوامل الإجرام .

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 2008-2009 الوكالة الليبية للترقيم الدولي الموحد للكتاب ردمك ISBN 9959 – 22- 221- 7 رقم الإيداع: 4224 . دار الكتب الوطنية بنغازي – ليبيا .................
توزيع : طرابلس : مكتبة الوحدة الشعبية شارع عمر ابن العاص " الوادي سابقا " 0913706999 0213338238
القاهرة : دار النهضة العربية 32 شارع عبد الخالق ثروت