" الجزء الأول "
مؤلف د . فائزة يونس الباشا
أستاذ القانون الجنائي

قانون الإجراءات الجنائية أحد أفرع القانون الجنائي إلي جانب قانون العقوبات الذي يحدد سياسة التجريم والعقاب في الدولة ، وما هما إلا الفرعان الموضوعي والإجرائي ؛ وهما المظلة الأساسية لحماية حقوق الإنسان وحرياته ، ما لم تتخذ سلطات دولة ما من القانون الإجرائي أداة لانتهاك هذه الحقوق وقمعها ، وفي ذلك انتهى بعض الفقه إلي القول : " إن الأشكال المستقرة للهيمنة تتحقق بواسطة ميكانيزمات دائمة لمؤسسات مستقلة عن فعل الأشخاص ... وعندها يصبح القانون شكلا مكونا للعلاقات الاجتماعية ، فهو ينظم الهيمنة ويخفيها ليجعلها مشروعة ، ولكنه في الوقت نفسه يحدد لها قيوداً (1).

ويهدف قانون الإجراءات الجنائية إلي حماية المصالح الاجتماعية الخاصة والعامة للمجتمع بأكمله من خلال ما ينظمه من إجراءات للكشف عن الحقيقة ، لأن إقرار سلطة الدولة في العقاب تظل في حالة سكون " قانون العقوبات " إلي أن ينقلها قانون الإجراءات إلي مرحلة التطبيق " الحركة " .

وضمانا لحقوق الأفراد وحرياتهم تكفل قانون الإجراءات الجنائية بوضع ضوابط وقيود للحد من تعسف السلطة التنفيذية وتجاوزها لحدود سلطاتها ، ورسم الطريق أمام السلطة القضائية بوصفها الحارس الطبيعي للحريات ولأطراف الدعوى ضمانا لحسن سير العدالة الجنائية .

ومن نافلة القول التأكيد على أن علاقة القاعدة الموضوعية بالقاعدة الإجرائية ليست علاقة تبعية ؛ بقدر ما هي علاقة توظيف وخدمة ، وبالتالي تميزت القاعدة الإجرائية بأنها وسيلة لتطبيق القاعدة الموضوعية ، ولكونها قاعدة قانونية فإنها تتمتع بخصائصها فهي عامة ، مجردة ، ملزمة .

ومع تطور أشكال الإجرام الذي اتخذ أبعادا جديدة وتجاوز الحدود التقليدية للدول بفضل ما شهده العصر من تطور في مجال الاتصالات والمواصلات ، حرص المجتمع الدولي على تطوير آليات الكفاح ضد الإجرام و تفعيلها ، وتدعيم أواصر التعاون التي استدعت الخروج على مبدأ إقليمية القانون ؛ فأجازت تطبيق قوانين أجنبية على إقليم الدولة ، ونظمت أحكام تسليم المجرمين والتعاون القضائي وتبادل المساعدة القانونية ، ومن حيث الزمان فإن القاعدة الإجرائية تسري بأثر فوري ومباشر ولا تتأثر بقاعدة القانون الأصلح للمتهم ، ولك لا يتعارض مع مبدأ أن الشك يفسر لمصلحة المتهم التي تجد أساسها في مبدأ أن الأصل في الإنسان البراءة أحد أهم نتائج الشرعية الإجرائية
.
باستقراء التاريخ نجد أن الأنظمة الإجرائية عرفت نظامين إجرائيين أساسيين هما : النظام ألاتهامي ونظام التنقيب والتحري ، وظهر نظام ثالث " المختلط " عمد إلي تفادي ما وجه لكل منهما من قصور ، ولقد عرف الأول بالنظام الفردي لأن المضار هو صاحب الحق في العقاب وتحريك الدعوى ومباشرتها أمام القضاء وهو بذلك نظام شبيه بالدعوى المدنية حيث تتساوى مراكز الخصوم الدعوى ، أما النظام الثاني ؛ فيقوم على قاعدة أن الدولة هي صاحبة الحق في العقاب مما يوجب تخويل ممثليها سلطات أوسع مما يملكه المتهم بهدف إجلاء غموض الواقعة وكشف الحقيقة ، لذلك منحت النيابة العامة سلطات واسعة بجمعها بين سلطة التحقيق والاتهام . أما النظام المختلط فقد غلب في المرحلة الأولى من مراحل الدعوى الجنائية النظام التنقيبي فأسند إلي النيابة العامة الدور ألاتهامي وأحيانا تتولى مهمة التحقيق الابتدائي ، وتميزت هذه المرحلة بالسرية والتدوين ، وتأثرا بالنظام الاتهامي منح المضار من الجريمة حق الادعاء المباشر في الجنح والمخالفات ، أما المرحلة الثانية وهي مرحلة المحاكمة فقد جاءت متأثرة بخصائص النظام التهامي من حيث العلانية وشفافية المرافعة وحضور الخصوم ، وبالنظام التنقيبي حيث منحت القضاة سلطات في تقدير الأدلة والموازنة بينها .

وجدير بالذكر أن قانون الإجراءات الجنائية الليبي تبنى النظام المختلط ، ويؤخذ عليه جمع النيابة العامة بين سلطة الاتهام وسلطة التحقيق مما قلل من أهمية الضمانات المقررة لحماية حقوق الإنسان وحرياته وهو الاتجاه الذي قد يكون مقبولا سابقا لنقص الكوادر المؤهلة والإمكانات هذا من ناحية .

ومن ناحية ثانية ، من المآخذ التي توجه لسياسة التشريع الإجرائية تعدد الجهات المنوط بها سلطات التحقيق وأحيانا الاتهام كمكتب الادعاء الشعبي ، وجهاز الرقابة الشعبية ، وتفاديا لذلك نرى ضرورة التوسع في إنشاء نيابات تخصصية على غرار نيابة المرور ، والمخدرات ، وإسناد مهمة التحقيق إلي قاض إعمالا لنصوص قانون الإجراءات الجنائية كقاعدة لا على سبيل الاستثناء وأن تقتصر سلطة النيابة العامة على الاتهام
(1). ولأهمية الموضوع وإسهاما منا في إثراء المكتبة القانونية لما تعانيه من نقص في هذه النوعية من الدراسات ، واستنادا إلي المنهجية المتبعة قسمت الدراسة إلي جزأين ؛ الجزء الأول قسم إلي أبواب ثلاثة نتناول فيها تحديد معالم الدعوى العمومية ، ومرحلة التحقيق الابتدائي ، والبحث التمهيدي " الاستدلال " ونخصص الجزء الثاني لمرحلة التحقيق النهائي والآثار المترتبة على بطلان الإجراءات . سائلين العلي القدير التوفيق والحمد اله رب العالمين .
....................
الطبعة الثالثة السنة : 1430هـ - 2009 دار النهضة العربية 32 شارع عبد الخالق ثروت بالقاهرة .........................
توزيع : طرابلس : مكتبة الوحدة الشعبية شارع عمر ابن العاص " الوادي سابقا " 0913706999 0213338238